الصِّراط المُستقيم بين الفقه الجامع واللَّغط العقيم
لقد كان من محاسن دين الإسلام الكثيرة واحدٌ من أهمِّها درجةً، ألا وهي قُوَّة البيان في تَمييز الصَّحيح من السَّقيم، في معرفة المسلم الحاذق العاقل لطرق النَّجاة والأمان في هذا الكمِّ الكبير من تضارب الأحكام من داخل البيت المسلم أوَّلًا ومن خارجه بالكمال والتَّمام. مع التَّذكير أنَّ هناك خيطًا رفيعًا يفصل للمسلم بين ما ينبغي أخذه وما يجب تركه بلا تأخُّر ولا توانٍ، وأنَّه إذا ما عرفه من عرفه نجا وبلغ برَّ الأمان، ومن تركه فقد سقط وضاع بين الرُّكام.
إنَّ أوَّل ما ينبغي لنا قوله هنا، إنَّ الله سبحانه جعل للمسلم في عبادته الأولى -وقصدت بها فريضة الصَّلاة- أن يقول في قيامه مرارًا وتكرارًا قوله تعالى: {اهدنا الصِّراط المستقيم}. وهل لهذه الآية بصيغة الدُّعاء إلا التَّثبيت مع معرفة ما ينبغي الثَّبات عليه؟ وإلا لو طلب العبد الهداية بلا معرفة للغاية، كان ذلك أشبه بمن يقود سفينة في بحر ولا يجد أمامه إلا مياه تكاد لا يجد لها نهاية.
ولو أنَّنا طرقنا أوَّل باب في داخل البيت المسلم لوجدنا العجب العجاب من الاختلاف في المواقف والتضارب في نصوص الأحكام، وإذا كان صراط الحق واحدًا في وجه الباطل، فلماذا لا تتوحَّد القلوب ويُفسح للحوار أن يكون حكمًا بين أهل التَّوحيد من الشُّعوب؟
الجواب: أنَّ كل جماعة منهم تجد أنَّ نهجها في فهم دين الله هي الحق في سعيها الدَّؤوب؛ فمنها من يجد الحق يبدأ بتطهير الدين من البدع وما في السُّنَّة مما فيها يشوب، وأما باقي الأمور التي للدين فيها نصيب فلا تهمُّها ولا تجد في كتبها منه حرفًا مكتوبًا. وتجد آخرين قد وضعوا الجهاد نصب أعينهم، والسَّيف والرُّمح يقدح زناده في أيديهم وبين أضلعهم، وعندهم دك أسوار العدو أسمى مقاصدهم. وهناك من يرى في التَّصوُّف والتَّبتُّل والخلوة ومجالس الذكر والبحث في الكرامات لأهل المقامات هو الغاية في الدين وهي طريق المريدين.
وهناك من المسلمين من يريد اختصار الأحكام والتَّولي للحكم بلا تأخير، وذلك في اعتبار أنَّ الخلافة هي برَّ الأمان والخليفة هو من يفصل وعليه تلتفُّ الأُمَّة وتتوحَّد الهمَّة، وبذلك فهم قد أسقطوا الدَّعوة المطلوبة بالكتاب والسُّنَّة، وجعلوا نصب الخليفة ضرورة لتحقُّق ما فات وبلوغ كل ما هو آتٍ. وفي ظل هذه الدَّوَّامة، يجد المسلم الذي لا يريد الانتظار أنَّه يركن بين أكوام من الحجار، لا يخرج منها ولا يجد من اجتماعها عليه إلا سرابًا من الغبار.
وهذا الذي طرقنا بابه كان في البيت المسلم من الداخل، وأما في الخارج فهناك جموع من الثَّعابين في جوفها سموم من حميم، تلسع كل من وحَّد الله وقال بعد الفاتحة آمين. هي تنشر الخلاف وتبث الفرقة وتجتهد في نفخ الأسافين وتبقى ترفع قومًا من بيننا وتضع آخرين حتى يضعف أحدهما فتجعل القويَّ عليه ينهشه كل وقت وحين، حتى إذا قضى عليه تركته إلى حين، ثم جعلته لها من الصيد الثمين.
إنَّ عوامَّ المسلمين أصبحوا في خلل عظيم في التَّمييز والتَّعيين؛ من هذا خذوا ومن هذا لا تأخذوا، هذا يأخذكم إلى الجنَّة وهذا إلى الجحيم! منهم من يقول لهم: السُّنَّة خلاصكم وتخليص القويِّ في الحديث من السَّقيم، ومنهم من يقول لهم: اتركوا الجميع ممن خالفكم في الخلوة والتَّعبُّد، وتمايلوا على التَّهليل والذكر وضرب الشيش وتوسلوا بالأولياء والأصفياء واجعلوا أنفسكم بين الأخفياء. ومنهم من يقول لهم: حاربوا الحُكَّام ولا تدعوا طاغوتًا ينام بسلام، اقتلوهم وأمعنوا فيهم السُّيوف بلا خمد لها ولا عزوف.
والسؤال هنا: ما المخرج من كل هذا وما السَّبيل؟ فنقول: إنَّ صراط الله المستقيم وحبل نجاته المتين في كتابه وسُنَّة نبيه الأمين هما المخرج العظيم في ظل هذا التَّخبُّط المهين؛ فإذا ما سلكه العبد وصل سالمًا سليمًا، وما سواه يعني السُّقوط أسفل سافلين.
جمعنا الله وإياكم على الحق المستبين، والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الصِّراط المُستقيم بين الفقه الجامع واللَّغط العقيم
الحجاب… عبادة أم عادة في ضوء الشريعة الإسلامية؟
أعيدونا إلى الخط الأنيق
الزَّاد الوفير في العَشر الأخير
رمضانُ يشدُّ الرحال