ماجستير في الدراسات الإسلامية
عَظٌمتْ آثارُهم على الرغم من قِصَر أعمارهم
إنَّ العُمُرَ فُسحةٌ زَمَنيَّةٌ وهَبَها الخالقُ جلَّ وعلا للإنسان، وَفُرصةٌ وحيدةٌ لا تتكرَّرُ ولا تُعاد، ولها أَجَلٌ مكتوبٌ مِن قَبلِ أن يُخلَقَ الإنسانُ، بحيث إنَّه متى حَلَّ هذا الأَجَل فلا يملِكُ الإنسانُ أن يستأخرَه دقيقةً! ولا أن يستعجِلَه دقيقةً!
ولهذا المعنى الدقيق، لطيفةٌ رائعةٌ من حكمةٍ جليلةٍ من حِكم الإمام العارف بالله تعالى ابن عطاء الله السَّكَندري رحمه الله تعالى، تقول: "مَن بورِكَ له في عُمُره أدركَ في يسيرٍ من الزمن، مِن مِنَنِ الله تعالى ما لا يدخلُ تحتَ دوائر العِبارة ولا تَلحَقُهُ الإشارة".
وهذا المعنى الجميل نتلمّسه في حياتنا وفي حيوات مَن حولنا، وفي جَردِنا لإنجازات المسلمين عبر التاريخ؛ الذين قصُرَت أعمارُهم السَّنيّة ولكن عظُمَت آثارُهم وإنجازاتُهم، وظهرت بصمتُهم التاريخيّة، وغيّروا في واقع أزمنتِهم الفانية، فخُلِّدَ ذِكرُهم إلى يوم القيامة.
كم من إنسانٍ طالَ عُمُرُه ولم تنل البشريّة من أعماله سوى الخراب والدمار والويلات! وكم من مسلمٍ لم يسعفْه زمنُه فمات عن خيرٍ جزيلٍ عمَّ البشريّةَ وأثراها! وودَّت الناسُ لو طالَ عمرُه فرأتْ منه المزيدَ من العطايا والخيرات... نعم، طابَ ذِكرُه رُغم قِصَر عُمُره. وأَمْدادُ ربِّه سبحانه عليه جعلتْ عُمُره ممدودًا للسامع والشاهد والقارئ ببركته وكرمِه عليه.
لقد عرَّف العلماءُ البركةَ بأنها خيرُ الله عزَّ وجلَّ (الخيرُ الإلهيّ يظهر في الشَّيء) ولا تأتي البركةُ هذه إلا مع الإخلاص لله تعالى؛ فإنَّما الأعمالُ بالنيات، وإنَّما البركاتُ بالإمداد، وكم من عملٍ صغيرٍ بالإخلاص نما وبورك وامتدَّ وعمّرت آثاره الأجيالَ تلو الأجيال، ببركة الله تعالى عليه فكثَّره له رُغم الفترة الزمنية المحدودة له!
وأضرِبُ لكم مثلًا زمنَ خلافة الخليفة الصَّدّيق رضي الله عنه، التي كانت عامين ونصف العام، حيث تصدى فيها للمرتدِّين من العرب، فحمى بيضةَ الإسلام، وأرسى هيبةً للدولة الإسلامية الفتيّة، تسابقت بها الأقطار، وجمع القرآن وحفظ الأمة من الضياع والتشتّت.
وزمنَ خلافة الفاروق رضي الله عنه التي دامت عشرةَ أعوامٍ عظيمةَ الأثر، بالغة الخطورة، ناحية تأسيس الدولة إداريًا، وتنظيم العلاقات الدولية في الإسلام، والقضاءَ على أقوى دولتين مجاورتين للمسلمين، ونشر منظومة العدل وإرسائها برًّا للأمان فلا يُقال ظُلمَ فلانٌ أو جاعَ بطنٌ...
وخذوا مثلًا الخليفة الأمويّ عمرَ بن عبد العزيز رضي الله عنه، الذي حكم عامين ونصف العام، فردّ للحقِّ قوَّته، وأعاد للمظلومين حقوقَهم، وحارب الفساد محاربةً مسدَّدةً ناجحةً تُدرَّسُ الآن في كليَّات وجامعات الإدارة والحكم، استطاع عبرها إعادةَ الميزان ليحكم بالسلطان العادل، وكما قال العلماء المبارَكون: الحاكم العادل خصب الزمان.
هذه عَزائمُ الكبار حين يخذلُها العُمُر بقِصَرِه فلا تأبى له، وتُنجِزُ رغم أنف الظروف وقهر الواقع.
وكم من إرادةٍ صُلبةٍ حديديةٍ في جسمٍ ضعيفٍ فشَلَ في احتوائها فتخطَّتْه ببركة الله تعالى في عمرها.
هو الشيخ المجاهد المقعَد الشهيد أحمد ياسين رحمه الله تعالى، ذلك الرجلُ الفذّ الرائعُ الذي تميَّز بنجابته العقليّة وتفوُّقه العلمي الرصين، فعلَّم تلاميذه الأصحاء سليمي الجسد؛ نهج الجهاد الصادق ضد المحتلّين، فكان هو هو - في كلِّ واحدٍ من هؤلاء القادة - الذي يجاهد! هو هو الذي يخطط ويفتح الله عليه، بالصمود والردع وإنزال الرعب في قلوب الأعداء، بل بات نُسَخًا تتحرَّك على الأرض تجاهدُ ولم يمنعه جسده المشلول أبدًا من ذلك، في فترةٍ زمنيةٍ بوركت وامتدت.
خذوا من القائد العالِم الفريد الهندي الشهيد أحمد بن عرفان رحمه الله تعالى مثلًا، ذاك نموذج "نسيج وحده" عاش خمسةً وأربعين عامًا مبارَكةً فقط واحتارت العبارات في وصف نتاجه الديني الغزير، واستعصى على الوصف شرح إنجازاته المبارَكة في ذلك العمر القصير، فاق أترابه في تحصيل العلم الشرعي، وارتحل في صقاع الهند وحولها ينشد التربية القلبية، واستوعبَ علمَ الفقهاء وتنوَّعَ المدارِس، ثمّ هضَمها في وقت قياسي وشرع يقوّمُ قومَه ويهديهم للحق، ويحيي ما اندرسَ من الدين، ويقشع الغبار عن الأصول، وراح يجدد في الأساليب المهترئة، فأحيا الله تعالى به الدين، ولم يكتفِ بالدعوة والهداية النظرية والتعليمية، فهبّ مع تلاميذه مجاهدًا للإنكليز المحتلين لبلده، وحارب السيخ السافكين لدم المسلمين في بلده، وصال وجال بالقلم والسيف لا يبرح حتى استُشهد مُقبلًا غير مدبر وما بلغ الخامسة والأربعين من العمر...
وأضربُ لكم مثلًا بفضيلة العالِم النابغة العبقري الهندي أبي الحسنات اللكنوي رحمه الله تعالى، الفقيه الجهبذ الذي عاش قليلًا وصنع الكثير الكثير للإسلام والأمّة وللبشرية، عاش أربعين عامًا مباركًا وترك للحضارة إنتاج فردٍ لكنه كإنتاج جموع وألوف مؤلّفة! انتفع به مَن خلفه، وبزَّه بالصديق والعدو.
ولا أنسى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى صاحب الرسالة والتأصيل الشرعي الذي مات عن 54 سنةً فقط. ولا أنسى الإمام النووي رحمه الله الذي ألّف مؤلّفات كثيرة - نافعةً كلّها - وانتشرت في أصقاع المعمورة، فكان "رياض الصالحين" مثلًا حظوةً عالميةً جعلته في كلِّ بيتٍ من بيوت المسلمين عجمهم وعربهم، وهذا كلّه وهو الذي مات عن 45 سنةً فقط!
هل هو سرٌ يا تُرى؟ ذاك التراثُ التليدُ من جهابذةٍ عاشوا زمنًا قصيرًا ولكنّ فضلَ الله تعالى عليهم باركَ إنتاجَهم، وكثَّر أعمالَهم، وطرَح الخيرات فيها، فانتشرت وامتدّت ونال خيرها كل الناس، وستظلّ هكذا تُمطرُهم بالخير إلى يوم القيامة.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




عَظٌمتْ آثارُهم على الرغم من قِصَر أعمارهم
حجابكِ وقفة عزّ
الحجاب وقاية واستقرار
شعرتُ بما شعرَ به عُمر!
استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة الدعوة الإسلامية