أيُّ عشرٍ أظلَّتنا
إسلامنا يتنقَّل بنا طوال عامنا، بل طوال عمرنا من خير إلى خير؛ إنْ حَزَبَنا أمرٌ وأهمَّنا كربٌ فَزِعْنا إلى صلاتنا يومَنا وليلتنا، وإنْ أسَرَنا حبُّ الدنيا، واستحكم متاعُها بقلوبنا، وبات المال همَّنا أتَتْنا الزكاة تفكُّ أسرنا وتحرِّر قلوبنا، وإن استشبعتْ بطونُنا وبِتْنا نتفنَّن في صنوف المآكل والمشارب، وتوسَّعنا في التفكُّه بالنِّعم ملاذِّها وأطايبها حتى ظننَّا تملُّكاً لها، وحيازةً لها لا تنقطع أتانا شهرُ الصيام منبِّهاً سنويَّاً: لا تستَشْبِعْ! لا تتفنَّنْ! لا تُكثر تفكُّهاً! أنت مأذون لك لستَ مالكاً! فإنْ حزتَ إذناً طَعِمْتَ، ثم إن أُمِرتَ بالامتناع استمسكتَ!
على هذه الحال نتقلّب بعناية ربِّنا أعواماً عديدةً وعمُراً مديداً، حتى إذا قصَّرنا وأَلِفنا الدنيا وأَلِفَتْنا جاءنا الحجُّ انتزاعاً ينتزعنا منها؛ فلا نتنعَّم بظاهر زينتنا! نتنقّل فيه حيث أمرَنا ربُّنا بين مشاعرَ مقدّسة: طائفين ببيته المحرَّم في وادٍ غير ذي زرع، بائتين في خيام لا في قصور ولا بيوت! وربّما باتوا في العراء لا في خيام! ثم يزدلفون متذلِّلين متقرِّبين إلى ربِّهم عند المشعر الحرام، ليرتقوا بعدها عرفات جبل الرحمة، تتنزَّل عليهم ليخرجوا من ذنوبهم، وليتداركوا تقصيرهم، ولتطَّهَّر أعمارهم بتمامها!
الحجاج تطهَّروا، وأعين المسلمين ترقُب أفعالهم، وقلوبهم تغبطهم؛ هل سننال مثلما نالوا؟ هل ستقرُّ أعيننا مثلما قرَّت أعينهم؟ بَعُدت البقاعُ، ولم تتيسَّر الأسفار، وضاقت ذات اليد، والمشاغل علينا من كلَّ حدب وصوب، والمسؤوليات أثقلت الكواهل، فما السبيل للَّحاق بركبهم، وما الوسيلة للتشبُّه بهم.
لا تحزن أيُّها المسلم؛ فإن عناية الله لا تفارقك؛ فإن لم تكن حاجَّاً طائفاً بالبيت، فطُفْ بأعمالك الصالحة، ودُرْ في عشر ذي الحجَّة بين صَلاة وصدقة وصيام وذِكر، فإذا نحر الحجَّاج هَدْيَهم فانحرْ أنت أُضحيتك حتى إذا عاد أحدهم مغفور الذنب كيوم ولدته أمُّه، وقد قرّب قرباناً لربِّه، عدتَ أنت مجاهداً بَذَلَ ماله، وقرَّب نفسه قرباناً!
"ما من أيَّام العمل الصالح فيهن أحبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يا رسولَ الله، ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه ومالِه، فلم يرجع من ذلك بشيء". (الترمذي، وأصله في البخاري)
فأيُّ عشرٍ أظلَّتنا!
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




أيُّ عشرٍ أظلَّتنا
خلفَ أستار الوجع: جلالُ الشهادة وصمود الخنساوات
مرافئ الطمأنينة لقلب كل عزباء
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السادس عشر
المراهق ووسائل التواصل: إدمان خطير وآثار مدمِّرة