أستاذُ البلاغةِ واللسانياتِ في الجامعةِ اللبنانيَّة، في كُلِّيَّتَي الآدابِ والتربية. مُنسِّقُ مادَّةِ الأدبِ العربيِّ في مدرسةِ روضةِ الفيحاء. مُدرِّبٌ مُعتَمَدٌ في طرائقِ التدريس. صدرَ له عدد من المؤلَّفاتِ والدراساتِ، وشارك في مجموعة من الندواتِ والمحاضراتِ والأنشطةِ الثقافيَّة.
فطال عليهم الأمد
اعتدتُ في الآونة الأخيرة أن أتابع مقاطع مصوّرة (reels) لأشخاص أعلنوا إسلامهم حديثًا، وهم يَرْوون رحلتهم من ظلمات الحيرة إلى نور اليقين. لم تكن الدهشة التي تنبعث في نفسي من اعتناقهم الإسلام، فالهداية فضلٌ من الله يؤتيه من يشاء، وإنّما الدهشة الحقيقيّة في ذلك الوهج الذي يفيض من عيونهم وهم يتلون آيةً لأوّل مرة، تلك اللحظة التي يقف فيها أحدهم أمام آية من كتاب الله أو حديث نبويّ شريف، فينفعِل بها لدرجة الذوبان، وكأنّه يكتشفُ "الفطرة" للمرّة الأولى.
لكلّ واحد منهم طريقه الخاصّ إلى الحقيقة؛ فمنهم من أنهكته الحياة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحُبت، فظلّ يبحث عن طمأنينة لا تشتريها الأموال ولا تمنحها الحضارة المادّيّة. ومنهم من أمضى سنوات بين الفلسفات والنظريّات والأسئلة الوجودية، حتى انتهى إلى يقينٍ بسيط وعميق في آنٍ واحد: أن الإنسان لا يستريح إلا إذا عرف ربَّه، ولا تهدأ روحه إلا إذا استظلّت بهداية الوحي.
الجميع يحاول النجاة من "صحراء اجتماعيّة مقفرة" تسود فيها المادّية الجارفة، وتطغى عليها أنانية الفرد، ويُسَلَّع فيها كلّ شيء حتى المرأة، وتتفكّك فيها الروابط الأسريّة تحت مسمَّيات التحرّر. في ظلّ هذا "التيه"، يمثّل الإسلام لهم الملاذ الآمن والعودة إلى المعنى الذي فُقد في صَخَب الحياة المعاصرة.
غير أنّ القاسم المشترك بين هذه الرحلات جميعًا هو الانبهار. انبهارٌ لا تصنعه البلاغة وحدها، ولا يفسّره المنطق وحده، بل هو ذلك اللقاء الأول بين الفطرة وكلام خالقها. هناك، تتحوّل الآية إلى نور، والمعنى إلى حياة، والقرآن إلى خطاب شخصيّ يخاطب أعماق الإنسان قبل أن يخاطب سمعه.
تراهم يبكون عندما يقرؤون آية، ويرتجفون خشوعًا أمام معانٍ ربّما حفظناها صغارًا، وردّدناها آلاف المرات في صلواتنا، حتّى ألفتها ألسنتنا، بينما غابت عن قلوبنا حرارة الاكتشاف الأولى. وهنا يتسلّل السؤال المؤلم إلى النفس: كيف استطاعوا أن يرَوا في القرآن ما لم نعد نراه؟ وكيف هزَّت آيةٌ قلوبهم، بينما تمرّ الآيات على مسامعنا فلا تترك فيها إلا صدى العادة؟
لعل الإجابة تكمن في أنّ نعمة الألفة قد تتحول، إن غاب التدبّر، إلى حجاب. فما نعتاده كثيرًا قد نفقد القدرة على تأمّله. ولذلك كان المسلم الجديد يقف أمام القرآن وقفة المتعطّش الذي وجد الماء بعد طول ظمأ، بينما نقف نحن أحيانًا وقفة من اعتاد النعمة حتى غاب عنه الشعور بعظمتها.
وقد كشف لنا القرآن حقيقة هذا الداء حين خاطب المؤمنين بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾. إنّه ليس سؤالًا عن الزمن، بل عن القلب. أما آن لهذا القلب أن يستيقظ؟ أما آن له أن يتحرّر من قسوة العادة، وأن يعود إلى القرآن بروح الباحث لا بروتين المألوف؟
ثم يأتي التحذير الإلهي من أخطر ما يصيب الإيمان، تحذير ممّا أصاب الأمم السابقة: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. إنها رحلة القسوة التي تبدأ صغيرة؛ بتأجيل التذكّر، وإهمال التدبّر، والاعتياد على النعمة، والانشغال بالدنيا... حتى يصبح القلب حاضرًا بالجسد، غائبًا بالروح. وقد رُوي أنّ هذه الآية كانت عتابًا للصحابة رضي الله عنهم حين لانت لهم الدنيا بعد شيء من الشدّة، فكيف هي أحوالنا اليوم، وقد أحاطت بنا أسباب الغفلة من كلّ صوب؟
إن المسلمين الجُدد لا يمنحوننا درسًا في تغيير الدين، بل يمنحوننا درسًا في اكتشافه من جديد. يذكّروننا بأنّ القرآن لا يزال غضًّا كما نزل، وأن العيب ليس في النور، بل في العيون التي اعتادت الضوء حتى كادت تنساه.
فلعلّنا، ونحن نشاهد دموعهم، لا نحسدهم على نعمة الهداية، وإنّما نغبطهم على لذّة الاكتشاف؛ تلك اللذّة التي فقدها كثير منّا حين ورث الإسلام ولم يجدّده في قلبه. وما أحوجنا اليوم إلى أن نقرأ القرآن كما لو أنّنا نقرأه لأوّل مرة؛ بعين المشتاق، وعقل المتدبّر، وقلب المؤمن الذي يعلم أن كلّ آية رسالة من الله إليه، وأنّ كلّ مرّة يفتح فيها المصحف قد تكون بداية ميلادٍ جديد.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




فطال عليهم الأمد
أين كان الحديث قبل البخاري؟
العلَّامة مازن المبارك وتسعة عقود في محراب الضَّاد
لمودِّعي المونديال... ليس كلُّ فوزٍ فوزًا
مونديال