مداد الأجل في ظلال نعمة الأمل
نعمة الأمل التي أنعمها الله على عباده المؤمنين هي سر بين العبد وربه، قد افتقدها من هم في عالم اليأس والفشل والتعلق بأسباب الدنيا فقط. إن للأسباب نصيبها الضروري الذي لا بد من الأخذ به، ولكن من هو الذي يعطيك الأمل في كل قول وعمل؟ ومن ذا الذي يعطيك الصبر في أملك المنتظر؟
انظروا معي إلى سير الأنبياء لتجدوا أن أكثرهم كانوا يعيشون هذا الأمل الكبير مع الصبر العظيم؛ فأما نوحٌ عليه السلام فقد أعطاه الله مع قومه الصبر الطويل في الدعوة إلى الله، ليصبر قرابة ألف سنة (تسعمائة وخمسين عامًا) بليلها ونهارها، ولم يدعُ عليهم إلا بعد أن بلغت الأمور منتهاها من العجز عن مزيد من الأمل بهم والصبر عليهم، فكان الطوفان.
وانظروا معي إلى أيوب الذي فقد المال والأهل والصحة والولد ولكنه لم يفقد الإيمان مع الصبر، فكان دعاؤه بعد أن بلغ المرض شفاه وكاد أن يمنعه عن ذكر ربه، فقال ما حكاه القرآن عنه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾. وانظروا إلى أدب الدعاء مع عظيم البلاء، فقد قال "مسني" مع أن المرض نال منه نيلًا عظيمًا، ولم ينسب ما أصابه إلى خالقه، بل نادى باسم من هو أرحم الراحمين؛ إنه أملٌ لا يجده إلا من ذاق طعم الإيمان.
وانظروا معي إلى من ابتلعه الحوت؛ نبي الله يونس عليه السلام، فقد كان في ظلمات ثلاث، لا يمكن أن يشعر من هو بعيد عن الله ببصيص أمل واحد بالنجاة وهو في هذه الدركات من الظلمات، حيث لا ثقب واحد مضيء إلا نور الله المتوهج في القلوب العامرة بذكر الله جل وعلا. فماذا فعل صاحب الحوت؟ هل استسلم لقدره، وأغلق لسانه، وأصابه اليأس والقنوط وهو في بطن الحوت؟ أبدًا، إنه نادى وهو في هذه الأعماق بما قاله الله عنه: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ فجمع في دعائه التسبح والتوحيد والاعتراف بظلم النفس. إنه الأمل بالله الذي هو سلاح المؤمنين، وهو الذي لا يتذوق حلاوته مع مرارته إلا من هو عند الله مكين.
ولا يفوتنا ونحن نتكلم عن الأمل —وفي قصص الأنبياء لنا خير مَثَل— أن نتكلم عن الصدّيق يوسف بن يعقوب عليهما السلام، حيث جاءه الأمل وهو ما بين الجُبِّ المعتم، والسجن المظلم، وفتنة امرأة العزيز المُؤْلِم؛ وبعده كان له أمل تأويل الرؤيا، من الله مُلهَمٌ، ثم الوقوف على خزائن الأرض بلا منازع له ولا مُقسِمٌ، ثم مُلك مصر له وعزيزُها يستحقها مع النبوة، فأنعِم به وأكرِم.
وبعد ما قلناه، فالأمل بالله هو مدادٌ للعمر وطولٌ للأجل، من عرفه به ينعم، ومن كل ضرٍّ وأذىً في الدين والدنيا يسلم. والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




مداد الأجل في ظلال نعمة الأمل
الكتابة للطفل رسالة ومسؤولية
فطال عليهم الأمد
أين كان الحديث قبل البخاري؟
العلَّامة مازن المبارك وتسعة عقود في محراب الضَّاد