{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.. مَوْلِدُ النُّورِ وَسِرَاجُ الرَّسَالَةِ
لقد كان ممّا وصف الله تعالى به رسوله محمّدًا -عليه وعلى آله وصحبه أتمّ الصلاة والتسليم- صفة الرحمة المرسلة؛ وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. وعلى مدار هذه الآية نقف، ومن معين مراميها ننهل؛ إذ إنّها -على قصر كلماتها- كالنهر الجاري الذي لا يتوقف تدفقه في قطره ولا في فيضه.
أولًا: إثبات أنَّ محمَّدًا -عليه الصلاة والسلام- كان رحمة بحدّ ذاته
إنّه مولد الرسول؛ اليوم الذي زغردت فيه الدنيا بمولده، وعانقت السماء الأرض بالقبول. يومٌ أنارت فيه البرايا، وسكنت فيه الأرواح في الأبدان من كل شرّ وفتنة وأذى الإنسان للإنسان. لقد وُلِدت الرحمة المهداة؛ حيث قال عن نفسه: «إنَّما أنا رحمةٌ مهداة». وهذه الرحمة متحقّقة في ذاته وجودًا ونبوة؛ فبمجرد أن حُمِّل الرسالة، أنزل الله عليه آية جمعت رحمتين خيرٍ من الدنيا وما فيها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
ولو عدنا بالتاريخ إلى عهد نوح -عليه السلام- فقد كان لكفر قومه أن أغرقهم الله بالطوفان، وأُهلك قوم هود بريح صرصر عاتية، وقوم صالح بصيحة واحدة، وقوم لوط لما خالفوا الفطرة جعل الله عاليهم سافلهم. ومقارنة بذاك، فقد كان رسول الله موجودًا بين قوم يأتُونَ الفواحش، ولكن بوجوده الشريف رفع الله العذاب العام عنهم؛ فمنذ مولده درّ اللبن لمرضعته بركة وتكريمًا، ولما ذاق طعم اليتم باكرًا، كان ربّه له خير ركن ومعين، ورعى الغنم فتيًّا ليكون بعدها راعيًا للأمم، وقائدًا ومُعلّمًا وحكيمًا.
ثانيًا: اجتماع الرحمة في الرسول والرسالة
كان في اجتماع الرسول والرسالة رحمة مزدوجة لمن وصلت إليهم؛ فقد كان الناس قبل الإسلام في جاهلية عمياء، القوي يأكل الضعيف، وتُؤدُ البنت وهي لم تطعم بعد ثدي أمها، فجاء برسالة تعيد العدل وترفع الظلم، وتجعل الناس كأسنان المشط لا فضل لأحد إلا بالتقوى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
وكان يعتكف الليالي ذوات العدد في غار حراء، ليبشّره جبريل بالرسالة، وتكون زوجه خديجة خير سلوى وسند. وحمل الدعوة ناصحًا لا يلين، وصنع من بضعة رجال ونساء جيلًا من الصحابة جدّ عظيم. ثمّ أُذن للدعوة فبلغت أقصى الشرق والغرب؛ دعوة فيها رحمة وجهاد ليعلو صوت الحق وتُصان الحرمات. عاش مكة ثم أقام بالمدينة، فكان له ألوف الصحابة حُفّاظًا لأحاديثه؛ وما وجد الأعداء أحدًا يحب أحدًا كحبهم له، يذودون عن حياض الحق ولا يلينون.
ثالثًا: التربية النبوية في الرحمة والأُسوة
لقد سمى الله رسوله أسوة حسنة يُقتدى بها: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. ولا يوجد منهج في الأرض يجمع الناس كما جمعهم الإسلام على وصائاه؛ إنها رحمة متنقلة تجذرت بالحب، ومصداق ذلك قول الله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: 31]. لقد علّمهم من الأمور ما كان أرقّ من الشريعة في الأحكام وأرفع، وما فيه صلاح الدارين، وما لم يكن خاطرًا ببال من الحكم والأخلاق.
رابعًا: أثر تحقق معنى الآية في حياتنا وديننا
إن لوجود هذه الرحمة المتمثلة في سنته الباقية جنبًا إلى جنب مع كتاب الله، أثرًا لا يُتجاهل لمن أراد النجاة؛ إذ نستظل بها لنصل إلى الظل الظليل: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57].
إن مولده كان خير ما تنتظره البشرية، وسيرته دروس تترا لا تملها الآذان. فسلام عليك يا رسول الله، يا من بذكرك تدمع العيون وتخشع القلوب. ومن حجب عن نفسه الفرح بمولدك وقال: يوم كأي يوم؛ فقد فاته الباب الأوسع، والشقي من حُرم سراج سيرته، والسعيد من اغترف من رحيق شهده النصيب الأعظم. والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.. مَوْلِدُ النُّورِ وَسِرَاجُ الرَّسَالَةِ
لا تغضب!
مهمّاتُ البعثةِ النّبويّةِ أصل الأصول للتربية الربّانيّة
تشريح العالمانية - الجزء الثاني
تشريح العالمانية - الجزء الأول