الأبعاد الروحية والسلوكية للحج

في غمرة الزحام المادي والدنيوي الذي نعيشه ويحيط بنا من كل جانب.. تضيق النفس أحياناً؛ فتراها تحتاج إلى دفعة إيمانية ترفعها عن هذه الأرض وتنطلق بها في فضاءات روحية رحيبة.. تركن فيها الروح إلى حياة شفافة نقية طاهرة لا ينبعث من جوانبها إلا عبير الطاعة والإيمان...
وها هي الفرصة قد سنحت؛ فالأيام قد توالت علينا بسرعة لتقف بنا على مشارف موسم عظيم.. موسم الحج. وبهذه المناسبة كان لنا حوار مع الداعية أسماء الباني حول الأبعاد الروحية والسلوكية للحج..
فإلى الحوار:
1. «منبر الداعيات»: للحج مقاصد وأهداف شتى؛ ما هي؟ ولِمَ لا نرى انعكاساتها على واقع حياتنا بالشكل المطلوب؟
من أعظم مقاصد الحج:
- رَدّ الناس إلى المساواة الكبرى التي اختُصّ بها هذا الدين. فلم يعترف بتميُّز لطبقة عن غيرها أو لجنس عن غيره... وأهاب بالناس أن يمتازوا بالمميِّز الوحيد عند الله وهو التقوى.
- التذكير بالحشر: فأثواب الحجّاج كالكفن يلف أجسادهم..
التذكير بأن آصرة الإسلام وصبغته هي النسب الوحيد الذي يجمع المسلمين جميعاً أبيضهم وأسودهم، ومن ثم يَهيب بالمسلمين أن يعودوا إلى وحدة الإسلام بعد أن فرّقتهم البلدان والأمصار والمذاهب والأسماء.
تذكير الناس بالميزان عند الله وهو التقوى؛ فلا الأجناس ولا الجاه ولا الأموال هي أساس التفاضل.
- رَدُّ الناس إلى الله بعد طول غفلة، واستشعارهم إسلام الوجه لله والاستسلام له، وغسل القلوب بصابون التوبة والأَوْبة; وهو أعظم مقاصد الحج.
- التزود بالتقوى وتلقّي تدريبات إضافية عليها طوال الحج ليعود الحاج تقياً نقياً.
أما لماذا لا نرى انعكاساً لمقاصد الحج على واقع حياتنا، فذلك لأن معظم الحجاج يودعون كل ما عايشوه وقاموا به طوال أيام الحج مع رداء الإحرام حين يخلعونه، ويغفلون عن أن ما قاموا به طوال الحج إنما هو تدريب ليعيش به حياتهم كلها ويبقى أثره في القلب لا يمحى.. فهنا محور المشكلة، لذا يجب أن يتضمن الاستعداد للحج: التركيز على هذه النقطة والتنبيه إلى أن المعاني التي ستحيا في قلبك أيها الحاجّ بعد طول غفلة، والتقوى التي ستلامس قلبك يجب أن تزدهر لتُحيي قلبك بعد طول مَوات..
2. «منبر الداعيات»: الملاحظ على كثير من الحجاج الاستقامة والانصياع لأوامر الشرع وهم يؤدون المناسك، فما الذي يُعين الحاج على الاستقامة على شرع الله خلال هذه الأيام المباركات؟ وما هي ضمانات استمراريته على هذه الحالة بعدها؟
< مما يُعين المسلم على الاستقامة على الشرع في الحج: التزوّد بالتقوى قبل الحج بفترة كافية، بل طويلة.. فإن الله يقول في آيات الحج: {وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى}.. ومَن لم يتزود للحج بخير الزاد - وهو التقوى - واشتغل بغيره من الزاد فلن يتمكن من إتمام حِجِّه على الوجه الذي يريد الله منه.
ولذلك، بعد أن فُصّلت في الآية بعض محظورات الحج، قال تعالى: {واتّقوا الله واعلموا أنّ اللهَ شديد العقاب} أي لمن لم يحترم قدسية الحج، أو تهاون بمحظوراته، أو لم يؤدِّ مناسكه على الوجه التقيّ الخاشع الخاضع.. ولذلك شدّدت الآيات في سورة الحج على تعظيم شعائر الله التي يتضمنها الحج، ونبّهت إلى أنّ ذلك من تقوى القلوب: {ذلك ومَن يعظِّم شعائرَ الله فإنها من تقوى القلوب}.. ولكن الكثيرين يحرصون على اختيار حملة حج جيدة الطعام وَريفة المنام، ويغفلون عن أنّ التقوى هي عماد الحج، وأن عليهم أن يتأكدوا من حجم ما تزوّدوا به من التقوى؛ فهي ضمانة إشراقة القلب في الحج، وخَفْقه مع كلِّ تلبية، وخشوعه مع كل مَنْسك ودعاء.. وهي المستند للوصول إلى حجٍّ خاشع صادق الدمعة موصول الفؤاد بالله تعالى، والفوز بحج مبرور جزاؤه الجنة كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
أما ضمانة استمرارية الحجاج بعد الحج على الاستقامة:
- فهو التركيز المسبَق أثناء الاستعداد للحج والتدريب قبله على أنّ الحياة كلها امتحانات عملية لحقيقة التقوى.
- ومن الضمانات أيضاً: أن يتذكر الحاج أنّ الله الذي اقترب منه في الحج كثيراً هو ربه في كل مكان يعصيه فيه وهو الرقيب على عمله.
- ومن الضمانات أيضاً: أن يضع الحاج في ذهنه أنّ وصوله إلى أن يخرج بصفحة بيضاء من حجه، وأن تُمحى الملفات السابقة في حياته كلها وتُغلق بمغفرة الله ورحمته وقد كان فيها من الغفلة والتفريط والذنوب ما كان وتفتح له ملفات جديدة فارغة... أن ذلك كله يوجِب عليه ألاّ يضيِّع هذه الفرصة الذهبية التي لا تتكرر إلاّ نادرا،ً وألاّ يعود في ملء هذه الملفات بالخِزي والندامة..
3. «منبر الداعيات»: باعتقادك ما الفِتن التي يُخشى منها على الحاجّ قلبياً وسلوكياً أثناء أداء هذه الفريضة؟
أعظم هذه الفتن: الوقوع في المحظورات والتساهل فيها.. فالكثير من الحجاج يُبطل حجه بالخصام والجدال والرفث، وهو الكلام في الجماع ودواعيه وما يتّصل به، والكلام الرخيص في الجنس على سبيل المزاح... والشيطان الذي يحثو التراب على رأسه يوم عرفة حين يرى كل هؤلاء من بني آدم طائعين ملبين يجتهد في إفساد حج كثير من الناس لئلا يتوب الله عليهم.. فلنكن جميعاً أيها الحجاج على حذر من ذلك ومن الغيبة والنميمة وغيرها من المعاصي والموبقات التي يستهين بها كثير من الناس.. فإنّ الله يحذّر في آيات الحج بقوله: {واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.. وبقوله: {واتقونِ يا أولي الألباب}.
4. «منبر الداعيات»: كيف تُعدّ المرأة المسلمة نفسها للحج؟ وكيف تزيد رصيدها الإيماني والمعرفي والأخوي والدعوي في الحج وخارجه؟
أهم استعداد تستعده المؤمنة للحج أن تضعَ لنفسها برنامجاً لمدة شهر على الأقل قبل سفرها للحج تزيد فيه رصيدها الإيماني:
- فتستمع إلى محاضرات العلماء عن أعمال القلوب.
- وتحفظ سوراً من القرآن تكون لها زاداً من الخشية والخشوع والإخبات، ولتكن على سبيل المثال سور الجزء الثامن والعشرين.
- وتحافظ فيه على وِرْد من الذِّكر المضاعَف بالعشيِّ والإبكار وبعد الصلوات.
- وتحضر فيه دروساً حول أعمدة الحج الروحية الثلاثة: التقوى - كثرة الذكر - كثرة الاستغفار والدعاء.. ودعاماته التي لا يقوم إلا بها، وهي: تعظيم حُرُمات الله - تعظيم شعائر الله - استشعار مِنّته ونعمته بالهداية..
كل ذلك ليزيد رصيدها من التقوى التي حدّدها الله زاداً للحج.. هذا كله قبل الحج.. أما أثناء الحج فهي تنفق من ذلك الرصيد وأيضاً تستزيد.. وتجتهد في تطبيقه والعمل به وتحرص على ألاّ تفوِّت لحظة إلا في ذكر واستغفار أو تلاوة أو حضور محاضرات تزيد من رصيدها الإيماني.. وأن تستحضر ما ستهتف به: لبيك اللهم لبيك.. فلتكن صادقة من أَمَة أقبلت على الله مخلصة..
وأوصي الحاجّة ألاّ تذهب مع رفقة تعرفهم لئلا تكون هذه المعرفة شاغلاً عن الإقبال على الله.. وكذلك أن تحرص على التزود برضا والديها وزوجها قبل الحج ليكون ذلك الرضا لها نوراً طوال حَجِّها..
5. «منبر الداعيات»: كيف يكون الحج فرصة لتعزيز العلاقة الروحية بين الأزواج (الحجاج)؟
الحج فرصة عظيمة لتعزيز العلاقة الروحية بين الأزواج الحُجاج.. وذلك بالتعاون على الذكر والاستغفار والدعاء وتبادل الأدعية والابتهالات؛ هذا إن كانوا في مخيم واحد.. وتذكير كل واحد منهما الآخر بما فاته من خير أو بِر والتعاهد هناك على ترك كل معصية وقعا فيها، سواء كانت منهما معاً أو من أحدهما، والتوبة منها ظاهراً وباطناً ومعاهدة الله على عدم العودة إليها..
وأما إن كانت الزوجة في قسم النساء والزوج في قسم الرجال فليجتهد كل منهما في الدعاء لزوجه بظهر الغيب والاستغفار له والإلحاح على الله في الرضا عنه وتطهيره ممّا يشوب علاقته بالله من معاص أو ذنوب، فيكون ذلك علاقة روحية تصل بينهما وإن تباعدا..
6. «منبر الداعيات»: كيف نجعل أُسرنا بشكل عام وأطفالنا بشكل خاص يعيشون أجواء الحج ويتوقفون عند معانيه؟
من فضل الله ورحمته أنّ بَرَكة موسم الحج لا تقتصر على الحجاج وإنما تطال غيرهم؛ فالأيام العشر فضلها عظيم وأجرها عميم.. وفقد قال الرسول صلى الله عليه وسلّم: «ما من أيام العمل الصالح فيهنّ أَحَبُّ إلى الله من هذه الأيام العشر»، قالوا: «يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» رواه البخاري.
وعلى الأم المسلمة قبل حلول المواسم الفضيلة الاستعداد المبكر لها... فتعلّق لوحات بلغة بسيطة تشرح للأطفال معنى الحج وأهدافه.. وتركِّز على أنه تربية روحية عظيمة على فِعل المأمور وترك المحظور.. وتُفْهِمُهم مقاصده بكلمات لطيفة حانية، ويمكن لها أن تصنع لهم ما يشبه ملابس الحج ليعيشوا لحظاته، وتحبِّب إليهم الاجتهاد في العمل الصالح الذي يناسب أعمارهم طوال العشر؛ ومن كان منهم قادراً على الصوم فليَصُم منها ما استطاع..
وتتلطف في إفهامهم أن العمل الصالح هو كل عمل صالح، من طاعة الوالدين والإحسان إلى الجيران وإسعاد الإخوة... كل ذلك داخل في العمل الصالح.. وتجتهد في متابعة القنوات الإسلامية التي تنقل صور الحج والكعبة والمسجد الحرام والتلبية ليكونوا قريبين إلى الجو الروحي..
ختاماً نشكر الأخت الداعية أسماء الباني على هذا الحوار سائلين المولى عز وجل أن يتقبّل منا ومنكم في هذه الأيام المباركات صالح الأعمال وأن يُعيدها على الأمة الإسلامية وهي في عزة وكرامة، ونصر وتمكين .
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث