حوار مع الباحثة المتميزة 'دلال باجس'
التاريخ:
فى : حوارات
20590 مشاهدة

باحثة فلسطينية متميِّزة، وطالبة دكتوراه في جامعة كولونيا الألمانية. شاركت بالعديد من المؤتمرات، ولها العديد من المؤلَّفات والدِّراسات حول المرأة والشباب في الحركات الإسلامية في العالم العربي؛ ومن بينها كتاب "تاء التأريخ الساكنة"، الذي كان الهدف منه تعريف المرأة المسلمة بدورها الذي مارسته جنباً إلى جنب مع أخيها الرجل في مختلف العصور الإسلامية، ومن الشخصيات التي أوردتها في كتابها شخصية: سحر المصري رحمها الله تعالى.
في هذا الحوار كان لنا لقاء مع الكاتبة الفلسطينية الشابة "دلال باجس"، تُحدِّثنا فيه عن تجربتها مع الكتابة والقراءة والقضايا التي تحمل همَّها...
1. كيف توفِّقين بين دراستك والكتابة، وبين حياتك المهنية والأسرية؟
• المسألة تكمن بالاستعانة بالله أولاً ثم في تنظيم الوقت.. بصراحة ليس أمراً هيِّناً؛ لكنه ليس مستحيلاً كذلك. كَوْني امرأة أكاديمية أشارك في مؤتمرات خارجية ونشاطات عديدة تستوجب السفر، إضافة إلى دراسة الدكتوراه وكتابة المقالات والدِّراسات، ووجود أطفال في المنزل يستوجب بلا أدنى شكٍّ العديد من التضحيات، وكذلك الكثير من التعاون. أمَّا بالنسبة للتضحيات فتتمثَّل بتقليص الحياة الاجتماعية بشكلٍ كبيرٍ وزيارة الأصدقاء وحضور الفعاليات الترفيهية بشكلٍ عام، يعني التخلي عن الجانب الترفيهي في حياة الفرد بشكلٍ كبيرٍ. أمَّا على صعيد التعاون فتكمن ذروته بتفهُّم الزوج أولاً إن كانت المرأة متزوجة، وتفهُّم الأهل إن لم تكن كذلك.. وتوفير الدَّعم اللازم قدر المستطاع من المساعدة في البيت والعناية بالأطفال وغيرها من أوجه الدَّعم الممكنة.
٢. حصلتِ على منحة (مؤسَّسة مواطن) للعام ٢٠١٠م حيث اختيرت رسالتك كأفضل رسالة ماجستير.. لو تعرِّفينا باسمها وبمضمونها؟
• تتحدَّث أطروحة الماجستير خاصتي عن "الدبلوماسية العامة الفلسطينية بعد الانتخابات التشريعية الثانية"، حيث تعرِّف الأطروحة بمفهوم الدبلوماسية العامة أو الشعبية وأهميته ووسائله، وقدرة الفلسطينيين على الاستفادة منه لنشر قضيتهم العادلة، وتقارن الأطروحة كذلك في شقها التطبيقي بين أربعة مواقف في تاريخ القضية الفلسطينية، ونسبة نجاح ما يسمى الدبلوماسية العامة في إثارة الرأي العام تجاهها؛ وهي مسألة حصار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وقضية جدار الفصل العنصري، والحرب الأولى على غزة وحصارها، وتقرير غولدستون.
وتخلص الرسالة إلى أهمية تفعيل الدبلوماسية العامة الفلسطينية لفائدة أكبر، وقصور الجهات الفلسطينية الرسمية في تبني هذا النوع من الدبلوماسية، ووجود ثغرة كبيرة بين الموقف الشعبي الفلسطيني والموقف الرسمي، ممَّا يؤدي إلى ضعف المضي قُدماً في سبيل تطوير هذا النوع من الدبلوماسية.
3. ما الذي ينقص الفتاة المسلمة اليوم حتى تكون مؤهَّلة لحمل شعلة الابتكار والتميُّز في حقول العلم والمعرفة وتستكمل المسيرة؟
• لا ينقصها أيُّ شيء.. حقيقة لا ينقصها. عليها أن تعي قبل كل شيء أنه لا ينقصها أي شيء، وإنَّما عليها أن تكون على وعي كافٍ بدورها الحقيقي في المجتمع والذي يتعدى جدران المنزل، وأن تكون خطواتها واثقة، ولا تعلِّق أيَّ إخفاق في حياتها على شمَّاعة تسلُّط الرجل أو المجتمع؛ فما المجتمع سوى جماعة من الناس هي منهم.
وعليها أن تعي أنه ما لم يتم توعية نصفها الآخر بحقوقها - التي هي ليست مِنَّة من أحد - فلن تتمكن من المضي قُدماً لتولي مهامها الحقيقية في الحيِّز العام. أفعالها في المجتمع هي مَن سيتحدث عنها؛ لا كثرة تظلمها وأقوالها.
أن تكثر من الاطلاع على نماذج السيرة الأولى للصحابيات اللواتي لم يكن شيء يمنعهن من القيام بكافة واجباتهن في الحيز العام للمجتمع الإسلامي، وهذا سيساعدها على فهم النصوص الشرعية أكثر من ألف محاضرة، فالتطبيق العملي دائماً أفضل من أي تنظير. وفي هذا المجال أنصح كلَّ فتاة وكلَّ امرأة بل وكلَّ رجل بقراءة موسوعة الدكتور عبد الحليم أبو شقة "تحرير المرأة في عصر الرسالة"، إضافة إلى كتاب آخر للدكتورة مريم عطية حول الأحاديث الضعيفة والموضوعة في المرأة وأثرها في المجتمع.
4. ما الصورة التي يجب أن تكرِّسها الطالبة المحجِّبة في أذهان الآخرين؟ وكيف تواجه الطالبة المحجبة - لا سيما مَن تتابع دراستها في دول الغرب - تلك النظرة المستهجنة إليها من قِبَل بعض الأساتذة والزملاء والزميلات؟
• بداية علينا أن نتفق أن التحسس الزائد من طرف الفتاة المحجبة قد يخلق جدراناً وهميّةً من الشَّك بكلِّ ما هو محيط بها أو تحليل أيّ استفسار يوجَّه لها على أنه اعتداء عليها.
عليها أن تتقبَّل فكرة أنَّ هذا الأمر ما زال غريباً في الغرب، وأنَّ العديد من الناس عندما يتساءلون عن ماهية الحجاب وفلسفته إنَّما يريدون التعرُّف على حقيقته، والقليل منهم يكون دافعه عنصرياً أو هجومياً. وإثبات النَّفْس يكون من خلال الثقة بالنَّفْس، بل ونسيان هذه الإحداثية قدر الإمكان والتعامل بثقة مع الزملاء والطلبة.
إنَّ أفضل وسيلة لنفي فرضية أن الطالبة المحجبة مكرهة على ارتداء الحجاب أو أن الحجاب يؤثِّر على المستوى العلمي والمهني للفتاة هو بالتميُّز وإتقان التخصُّص وممارسته بشكلٍ احترافي.
5. كيف تنظرين إلى الأوضاع البائسة التي يمرُّ بها عالمنا العربي والإسلامي الْيَوْمَ؟ وما هي مقومات النهضة والسير إلى الأمام؟
• أنظر إليها أنها بداية التغيير.. فكلُّ راكدٍ آسن.. ولا بد لمن أراد التحرُّر من قيود الظلم والجهل والتخلف والاستبداد أن يدفع الثمن.. أنظر إلى تضحيات الجموع في الميادين والدماء النازفة أنها محاولة لتأمين مستقبل أبنائنا حتى لا يرزحوا تحت نير الاستبداد الذي رزحت الشعوب العربية تحته لعقود طويلة. أحاول أن أقفز إلى ما بعد كل هذه المعاناة وأتخيَّل المستقبل.. فأراه أفضل إن شاء الله.
6. لو تقوِّمي لنا أ. دلال باجس وضع المرأة الفلسطينية في الداخل الفلسطيني؟ وما هي أبرز التحديات التي تواجهها المرأة الفلسطينية بشكل عام؟
• هناك نوعان من التحديات تواجه المرأة الفلسطينية في الداخل: أحدهما اجتماعي تتشابه فيه مع أخواتها في كافة الأقطار العربية والإسلامية، ويتمثل في محاولة تحصيل حقوقها المشروعة بوسائل لا تؤدي إلى شرخ المجتمع، وبقدرتها على إثبات نفسها وحماية مكتسباتها القانونية والحقوقية والشرعية والدينية والسياسية والاقتصادية. والآخر يتمثَّل في تصديها للاحتلال الذي يعدُّ عائقاً حقيقيّاً أمام مطالبتها بحقوقها المدنية والاجتماعية نظراً لكون مقارعته تعدُّ أولوية من قِبل المجتمع كَكُل، فالمجتمع ينظر إلى مطالبات المرأة بحقوقها على أنها شيء هامشي إذا ما قورنت بالمطالب الوطنية العامة، بل ويعدونه جزءاً من الأنانية، وما هو كذلك إطلاقاً.. بل على العكس.. فإنَّ تحصيل الحقوق الاجتماعية والمدنية للمرأة يعزِّز صمودها وعطاءها في طريق التحرير الطويل.
7. لو تعرّفينا بإيجاز بكتابك " تاء التأريخ الساكنة" وماذا يضيف إلى المرأة المسلمة اليوم؟
• هو محاولة لنشر الوعي بين الجنسين بقيمة المرأة في الحضارة الإسلامية، فالوعي هو الخطوة الأولى للتحرر من كافة المخاوف التي تنتاب المرأة المسلمة اليوم، لتتعرف إلى دورها الحقيقي في الحيز العام.
ومعرفة واقع المرأة المسلمة في عصر النبوة الأول وما تلاه من عصور خير من ألف مقال، بل وقد يزيل اللبس في فهم بعض النصوص؛ لا سيما وأن التطبيق الأمثل لأيِّ نصٍّ كان في عهد النبوة الأول وما تبعه من عهود.
يتناول هذا الكتاب معلومات مميَّزة عن مجموعة كبيرة من النساء وأدوارهن في تاريخ الحضارة الإسلامية في 17 حقلاً معرفيّاً وعلميّاً؛ منها الفقه والعلم والطب والهندسة والرياضيات والسياسة والعسكر والفنون والكتابة وغيرها.
8. تُعتبر المرأة المسلمة جزءاً لا يتجزأ من الحراك الاجتماعي والسياسي وو.. كيف تقوِّمين باختصار تجربة النساء الإسلاميات في الحركات الإسلامية؟
• في دراسة قمتُ بها عام 2012 م وتمَّ نشرها على شكل كتاب بعنوان: "النساء الإسلاميات في العالم العربي.. من ردَّة فعل إلى واقع جديد" وضَّحتُ فيه" _ من خلال الإحصاءات الرسمية التي حصلتُ عليها من مكاتب الحركات الإسلامية في 13 دولة عربية، إضافة إلى مقابلات أجريتها مع 50 من كبار القيادات النسائية الإسلامية في تلك الدول _ أن المرأة في الحركات الإسلامية تمثِّل عنصراً فاعلاً ومهمّاً جدّاً على مستوى تنفيذ أجندات الحركات الإسلامية، وأنها تناضل داخل تلك الحركات من أجل الوصول إلى مجموعة أوسع من حقوقها التي لم تصل إليها بعد، وأن دورها ما زال محصوراً في المناصب القيادية العليا لكنه ليس معدوماً، بل هناك تقدُّم يكاد يكون أفضل من غيره في أيٍّ من الحركات الأخرى من مختلف التوجهات. التجربة في تطوُّر مستمرٍّ لكنها للأسف تصاب بانتكاسات أحياناً كلما تردَّى وضع الحريات في بلاد ما، فإنَّ المرأة هي أوَّل المتضررين.
9. أين تكمن أهمية الحركات الطلابية في عملية التغيير في مجتمعاتنا؟ وكيف يساهم الطلاب في صياغة وبناء هويتهم الإسلامية؟
• لقد كانت الحركات الطلابية وما زالت رأسَ الحربة في أيّ حراك ثقافي وسياسي، بل واجتماعي في المنطقة. إنَّ اندفاع الشباب عاملٌ مؤثِّرٌ ومهمٌّ في تحريك المياه الراكدة في أيّ مجتمع. والطلبة الذين يحملون قضية وفكرة هم أكثر الناس اندفاعاً لنشرها وتطبيقها. وهم الأكثر تجرُّداً في خدمة قضيتهم لعدة أسباب موضوعية أهمها تحررهم من كافة الأعباء والمسؤوليات الأخرى التي قد تجعل الأكبر سناً يتردَّدون في تحقيق ما يصبون إليه خوفاً على رزق أو عائلة أو منصب أو عمل أو أيّ ارتباط اجتماعي ومادي آخر.
10. في كتابكِ "اللحن والبارود" تحدَّثتِ عن أهمية النشيد في التنشئة السياسية وفِي بناء الوعي السياسي لدى الحركات الإسلامية.. برأيكِ هل ما زال النشيد يقوم بهذا الدَّور اليوم أم تراجع دَوره؟
• الموسيقى بشكل عام والنشيد بشكل خاص - فيما يتعلق بذوي التوجه الإسلامي - لا يخبو دورها على مدار الأيام في إحداث حراك اجتماعي وسياسي. وتعد الأغاني الوطنية من أبرز مقومات التنشئة السياسية لأيّ تجمُّع سياسي أو حراك اجتماعي. ولا يمكن الحكم على النشيد في فترة وظروف معيَّنة بناء على فترة زمنية سابقة أو لاحقة، فلكلِّ عصر أدواته وطرائقه؛ بل وحتى ألحانه وكلماته.
الفرق يكمن في مدى رضى الجيل القديم عما يقدِّمه أبناء الأجيال اللاحقة من فنون وألحان وأدوات قد لا تُرضي مَن كان قبلهم، لكنها بالتأكيد تلائم البيئة الشبابية التي انبثقت منها.
11. الكتَّاب الجُدد من الشباب بماذا تنصحينهم؟
• أنصح نفسي قبل أن أنصح أيَّ كاتب شاب بأن يوغل في تخصصات دقيقة قبل أن يبدأ بالكتابة. فلم يعد العصر عصر عموميات ولا كتابات شمولية، وإنما هو عصر التخصص والنقد وانتقاء كل مفيد من العلوم تليدِها وطريفِها. عليه أن يكثر من الاطلاع على ما كتبه السابقون في مجاله، فليس هناك علم من العدم، بل قد يتبادر لذهنه العديد من القضايا النقدية والإشكالية التي كانت تعد من المسلَّمات غير أنها في حقيقة الأمر ليست كذلك. وكيف له أن يكتشف كل هذه الخبايا دون كثرة الاطلاع والقراءة؟! كما أنصحهم بعدم الاغترار، فعند مرور الأيام سيعود الكاتب الجديد إلى كتاباته الأولى ويبدأ بنقدها شخصياً بل ويتعجب كيف صدرت منه مثل تلك الكتابات بعد أن يكون قد تعمَّق في المسألة مع مرور الزمن.
12. طموحاتكِ المستقبلية؟ وبماذا تختمين هذا الحوار؟
• إن لم يكن عندي طموح فهذا يعني أنني لست أهلاً للعيش في المستقبل! أسأل الله أن لا يتوفاني إلا وقد أصبح لديَّ رصيدٌ كافٍ من الإنجازات والكتابات العلمية والأكاديمية الذي يؤهِّلني أن أقابل بها وجهه وأدخل جنته. كما أرجو أن يحقِّق الله غاياتي في مشروع نشر الوعي بين الشابات والفتيات بطبيعة أدوارهن في الحياة من خلال التعريف
بقدوات حقيقية أمام أعينهن ومن خلال زيادة الوعي في أوساط الشباب الذكور بأهمية احترام المرأة ككيان مستقل فاعل في المجتمع كما كانت في عصر النبوة الأوَّل. وهناك طموحات أخرى من الصعب الإفصاح عنها حالياً لكنها بين عيني.. أراها وأغذيها كل يوم كما أغذي جسدي، ستكبر وتتحقق بإذن الله.. وعند ذلك سيكون الحديث عنها أروع وأجمل.
المصدر : مجلّة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث