الشعر يُناجي الله
كتب بواسطة د. عبدالحكيم الأنيس
التاريخ:
فى : شعر
7654 مشاهدة

إنَّ اللجوءَ إلى الله سبحانه وتعالى والاستعانةَ به، والعكوفَ على بابه الكريم، من أفضل الأعمال، وأنجح الآمال، وأبلغ المقاصد لتحصيل خيري الدنيا والآخرة.
وهذه طاقةٌ من الشعر الجميل في ذلك:
♦ ♦ ♦ ♦
قال الأديبُ الشاعرُ المُصنِّف الفاضلُ إسماعيل بن يحيى اليزيدي (ت قبل: 270هـ):
كلما رابني منَ الدهر ريبٌ
فاتكالي عليكَ يا ربِّ فيهِ
إنَّ مَنْ كان ليس يدري أفي المحـ
ـبوبِ صنعٌ له أو المكروهِ
لحريٌّ بأنْ يُفوّضَ ما يعـ
ـجزُ عنه إلى الذي يكفيهِ
الإلهِ البرِّ الذي هو في الرأ
فةِ أحنى مِنْ أمِّهِ وأبيهِ
قعدتْ بيَ الذنوبُ أستغفرُ اللهَ
لها مُخلصاً وأستعفيهِ
كم يُوالي لنا الكرامةَ والنعـ
ـمةَ مِنْ فضلهِ وكم نعصيهِ!
♦ ♦ ♦ ♦
وقال النحويُّ الأديبُ أبو منصور أسعد بن نصر البغدادي (ت: 589هـ):
قل لِمَن يشكو زماناً
حاد عمًّا يرتجيهِ
لا تضيقنَّ إذا جا
ءَ بما لا تشتهيهِ
ومتى نابك دهرٌ
حالتِ الأحوالُ فيهِ
فوِّضِ الأمرَ إلى اللهِ
تجدْ ما تبتغيهِ
وإذا علقت آمَا
لك فيه ببنيهِ
حرتَ في قصدِك حتى
قيلَ: ماذا بنبيهِ!
♦ ♦ ♦ ♦
وقال الصدرُ الكاتبُ الشاعرُ زين الدين محمد بن عبيد الله بن جبريل (ت: 674هـ):
إنما الشكوى إلى الخل
ق هوانٌ ومذلَّهْ
فاترك الخلقَ وأنزلْ
كلَّ حاجاتِكَ باللهْ
♦ ♦ ♦ ♦
وقال الإمامُ الجليلُ المتفنَّن ابن سيِّد الناس (ت 734هـ):
صرفتُ الناسَ عن بالي
فحبلُ ودادِهم بالي
وحبلُ اللهِ مُعتصمي
به علقتُ آمالي
ومن يَسْلُ الورى طراً
فإني عنهمُ سالي
فلا وجهي لذي جاهٍ
ولا ميلي لذي مالِ
♦ ♦ ♦ ♦
وقد تنزلُ بالإنسان شدةٌ تحدِّثه نفسُه باللجوء فيها إلى وجيهٍ لكشفها، ثم تدركه رحمةٌ من الله فيتوجه إليه، ويكون الخير كله، وفي ذلك قصص وأخبار جميلة.
منها ما جاء عن العالم الأديب النحوي أبي الحسن علي بن محمد بن النضر الإسنوي (توفي في القرن السادس الهجري) فقد قال:
أملقتُ سنة، وكنتُ أحفظُ كتاب سيبويه وغيره عن ظهر قلب، حتى قلت: إنَّ حرفة الأدب قد أدركتني، فعزمتُ على أنْ أقول شعراً في والي عَيذاب بمصر، فأقمتُ إلى السَّحَر فلم يساعدني القول، وأجرى الله القلمَ فكتبت:
قالوا: تعطفْ قلوبَ الناس، قلتُ لهم:
أدنى من الناس عطفاً خالقُ الناسِ
ولو علمتُ بسعيي أو بمسألتي
جدوىً أتيتهمُ سعياً على الراسِ
لكنّ مثليَ في ساحات مثلهمُ
كمزجَر الكلبِ يرعى غفلةَ الخاسي
وكيف أبسطُ كفي بالسؤالِ وقد
قبضتُها عن بني الدنيا على الياسِ
تسليمُ أمري إلى الرحمن أمثلُ بي
من استلاميَ كفَّ البرِّ والقاسي
قال:
فقنعتْ نفسي، وما أقمتُ إلا ثلاثة أيامٍ ووردَ كتابُ والي عَيْذاب يوليني في خطة "الصعيد"، وزادني "إخميم"، ولقبني "قاضي القضاة"!
ومِنْ شعره ولعله قاله في ذلك الإملاق:
يا نفسُ صبراً واحتساباً إنها
غمراتُ أيامٍ تمرُّ وتنجلي
في الله هَلكُكِ إنْ هلكتِ حميدةً
وعليه أجرُكِ فاصبري وتوكَّلي
لا تيأسي مِنْ روحِ ربك واحذري
أنْ تستقري بالقنوطِ فتخذلي
♦ ♦ ♦ ♦
وقد درجَ العلماءُ المُوفقون في كل عصر على التعلق بالله، والرجوع إليه ومناجاته بأعذب الكلمات، وأجمل المعاني، مستمدين منه الحوائج والمطالب كلها، مقرِّين بالمعنى الذي قاله المؤرِّخُ شمس الدين الجزري (ت 739هـ) في آخر أبياته هذه:
إلهيَ قد أعطيتَني ما أحبُّهُ
وأطلبُهُ مِنْ أمر دنيايَ والدينِ
وأغنيتَني بالقنع عن كلّ مطمعٍ
وألبستني عزاً يجلُّ عن الدونِ
وقطعتَ عن كلّ الأنامِ مطامعي
فنُعماك تكفيني إلى يومِ تكفيني
ومَنْ دقَّ باباً غيرَ بابِك طامعاً
غدا راجعاً عنه بصفقةِ مغبونِ
♦ ♦ ♦ ♦
ومِن استغاثاتهم بالله الجملية المؤثرة: قولُ الإمام أبي القاسم الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري (ت: 406هـ):
بمَنْ يستغيثُ العبدُ إلا بربهِ
ومَنْ للفتى عند الشدائد والكربِ؟
ومَن مالكُ الدنيا ومالكُ أهلِها
ومَنْ كاشفُ البلوى على البُعد والقربِ؟
ومَنْ يرفع الغمَّاء وقتَ نزولها
وهل ذاك إلا مِنْ فعالك يا ربي؟!
♦ ♦ ♦ ♦
وقولُ الفقيه الناسك إبراهيم بن عبد الله السبتي الغرناطي (ت: 751هـ):
أتيناكَ بالفقر لا بالغنى
وأنتَ الذي لم تزلْ مُحْسنا
وعودتَنا كلَّ فضلٍ عسى
تديمُ الذي منك عوَّدتنا
♦ ♦ ♦ ♦
وقول الأديب الحسن بن يحيى البندينجي البغدادي (ت 600هـ) الذي قاله ارتجالاً وهو متمسكٌ بأستار الكعبة:
يا إلهي يا غافرَ الذنبِ يا مس
دي العطايا يا دائمَ الإحسانِ
عبدُك المُسرفُ المفرِّطُ يدعو
ك بذلٍّ خوفاً من النيرانِ
وهو مستمسكٌ ببيتك يرجو
رحمةً منك معْ بلوغِ الأماني
فاغفرِ الآنَ ذنبه واعفُ عنهُ
وتصدَّقْ عليه بالرضوانِ
المصدر : الألوكة
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث