الإسراء والمعراج سلوى للرسول وتذكير بشرف الوصول
من المتعارف عليه في محاكاة طباع البشر، أنه إذا ظلم أحدُهم صاحبَه وجار عليه، فإنه يعطيه عطية تعوِّضه عن ظلمه له وتعدِّيه عليه. ولسنا هنا في مجال المقارنة، فالله تعالى عوَّض نبيَّه ظلمَ قومه له وما نزل به من سفه باللسان واليد، وأزال ظلمهم عنه بأن بسط له رداء حبه وجعله يعلو جسدًا وروحًا، وتتعالى نفسه وروحه وجسده ليس عن أرض مكة وحدها، وإنما عن الأرض كلها ومن فيها.
إذًا، العطيّة بعد الأذى، والرفعة والعلو بعد التنقُّص من القدر والغلول. وهكذا كانت رحلة الإسراء والمعراج التي تحققت فيها مقاصد كثيرة لا يمكن التفريق فيها بين رحلة الأرض والسماء. لأن الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى له دلالات كثيرة، ومما يربط بينها وبين المعراج إلى السماوات العُلى قدسية المكان الأول مع المكان الثاني. قصدت بالأول مكة وبالثاني المسجد الأقصى تحديدًا، وأرض فلسطين وبلاد الشام معها عمومًا، لتبقى القلوب لأهل هنا وأهل هناك متعلقة بحبل السماء، مستمدة منه القدسية والرّهبة في العبادات، والعلو والشموخ في الجهاد.
ويمكن لنا أن نجمع من مقاصد الإسراء أولًا أربع دلالات مستقلة بذاتها عن رحلة المعراج، ومن ثم أربع مثلها من مقاصد المعراج، والرابط الجلي والخفي بينهما.
فأما رحلة الإسراء، فكانت ليلًا، وهذا من معنى السري الدال على السير ليلًا، وقد أكدتها الآية بالذكر في قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا}. وخُتمت الآية بصفتي السمع والبصر للخالق العلي: {وهو السميع البصير}. فهذه أول دلالة بأنه لو تخلَّى عنك يا محمد أهل مكة وأهل الأرض جميعًا، فإنا معك بسمعنا وبصرنا الأزليين، إن َّهم غابوا عنك بسمعهم وبصرهم القاصرين.
والدلالة الثانية هي ذكر المسجد الحرام والمسجد الأقصى دون غيرهما من مساجد الأرض، لمكانتهما ولفت الأنظار أولًا للثواب العظيم في التعبد في رحابهما قيامًا وقعودًا. والحديث الشريف يقول في معناه: 'إن الصلاة في المسجد الحرام بركتين تعدل مئة ألف صلاة فيما سواه، والصلاة في المسجد الأقصى تعدل ألف صلاة في غيره.' وهذا الذكر بالأسماء يعزز الاجتهاد بشد الرحال إليهما، لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام: 'لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى.'
أما الدلالة الثالثة في رحلة الإسراء فهي إثبات مقام رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث إنه تقدم في الصلاة إمامًا على من حُشِر له من الأنبياء والرسل، وذلك يؤيده ما أخبر به القرآن من أن كل الأمم سوف تأتي بشهداء من الرسل، ويأتي محمد عليه الصلاة والسلام شهيدًا عليهم جميعًا، قال تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدًا}.
الدلالة الرابعة: تحقق الرابط الإيماني بين أرض الحجاز وأرض الرباط، وهو ما له من دلالات تدفع بالقول إن ما يصيب المسلمين هنا أو هناك لا بد أن يكون أهل التوحيد في المشاعر والأحاسيس، وفي الدعم والإسناد، ليسوا عنه ببعيد.
ولو أتينا إلى دلالات المعراج، فهي أولًا عدم الفصل بينهما بالتشكيك المريب في إثبات الإسراء ونفي المعراج، أو التلاعب في الحديث عن الإسراء بالجسد والروح، والمعراج بالروح فقط، أو النفي لجملة القول بالإسراء والمعراج جسدًا وروحًا، والاقتصار على القول إنه بالروح دون الجسد. وهذا تكذيب للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية في ذلك. فمن لا يعجزه شيء في الأرض، ولا في السماء، قادر على أن يسري بعبده ويعرج به، وهو أهون عليه لأن أمره بين الكاف والنون.
الدلالة الثانية في الوقوف عند المعراج، ليس لأنه فقط إعجاز رباني للنبي القرشي، بل إنه إرهاص سبق العلم المتقدم في الجنوح نحو السماء، وليس الركون فقط إلى رحلات الأرض. ومع اختلاف المقاصد والغايات هنا، فإن الجامع هو أن الإنسان المحدود القدرة والعلم استطاع أن يغزو الفضاء ويصل إلى القمر. فهل إن خالقه ومالك أمره لا يستطيع أن يرفع عبدًا من عباده إلى علياء سمائه، ويريه بعض آياته؟
الدلالة الثالثة هي في هذا الترحيب المهيب بالنبي الحبيب في كل سماء يرتقيها، فيجد من ينزله المنزلة التي أنزله الله إياها، مع تقدم من كلموه من الأنبياء في النبوة، ومع ذلك فلم ينالوا ما ناله، ولم يصلوا إلى ما وصل إليه.
أما الدلالة الرابعة، فهي في أهمية التبشير والتحذير في الدعوة إلى الله من خلال ما كشف الله لرسوله عليه الصلاة والسلام في المعراج من دخول الجنة وما شاهد فيها من بعض نعيمها، وما كشف له من النار واطلع عليه من بعض جحيمها. فهذا يراد به أن تكون الدعوة إلى الله بين جناحي طير، فلا يغتر العبد بعمله الصالح فيُهلكه غروره، ولا يركن العبد المذنب إلى ذنوبه، وينسى رحمة الله فيكون من الخاسرين. فلقد بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما رأى من أوجه النعيم، وخوف بما رأى من أوجه الجحيم ليكون هذا وذلك عبرة للعالمين.
ولو أردنا الربط الجلِيَّ بين رحلة الإسراء والمعراج وواقعنا المعاصر، لكان يمكننا القول إن ما واسى به ربنا سبحانه برحلتي الإسراء والمعراج هو ربط للجسد بالقلب، بمعنى أن تبقى الأعين للمسري به شاخصة لأرض الرباط، حيث إنه سبحانه جعل البركة بينهما إلى يوم القيامة، عبادةً وجهادًا.
أما الرابط الخفي فنتركه بمختصر القول لمن هي شاخصة أبصارهم إلى السماء وأيديهم على الزناد في فلسطين وغزة، حيث تتجسَّد مقاصد الإسراء والمعراج في أبهى وأغلى معانيها.
ويبقى أن نقول خلاصة حديثنا: إن الإسراء والمعراج هو أحد أسرار حدوثه الكثيرة، وإنما كان سلوى للرسول ﷺ لتطمين قلبه بحبل الله الموصول الذي رفعه إلى السماء بلا قيد ولا أسباب تمنع الوصول، فوصل إلى حيث لا يبلغ ملك ولا رسول، وكلّمه الله، وفرض عليه الصلاة، معراج كل مؤمن يريد الوصول. نفعنا الله وإياكم بذي الذكرى، وأورثنا نعمة القبول. والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الإسراء والمعراج سلوى للرسول وتذكير بشرف الوصول
يا أُمَّة الإسراء والمعراج !
شبهة التعدد في الإسلام
رَوْضَةُ الذَّاكِرِينَ
حوار خاص مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي