شعرتُ بما شعرَ به عُمر!
أذكر أنّني في بداية التزامي، أو لعلَّ الأدق أن أقول: في بداية انخراطي في المجتمع الملتزم، الذي كنتُ بعيدةً عنه نوعًا ما، كان أول ما امتنعتُ عنه عادةً سيّئة ألفتُها لسنوات: سماعُ الأغاني أثناء الانشغال بالأعمال المنزلية.
عادةٌ كانت تملأ فراغًا روحيًا بصوتٍ وموسيقى لا تُغني ولا تُشبع.
وللتعويض عنها، قمتُ بتنزيل مجموعةٍ من الأناشيد، بوصفها بديلًا "أكثر تقرّبًا من الله"، وأخفّ وطأةً على القلب.
وفي إحدى الليالي الرمضانية، وخلال تلك الدورات المتكرّرة لغسل الصحون، وفي لحظة صدقٍ وتحاورٍ عقلاني مع النفس، تساءلت:
لِمَ لا أستغلّ هذا الوقت بعلمٍ أنتفع به؟
أو بحسناتٍ تُسجَّل في صحيفتي يوم الحساب؟
عندها قرّرت الاستماع إلى القرآن الكريم ليكون بديلًا نافعًا حقًا.
كانت سورة طه أوّل ما وقعت عليه أذني؛ إذ انسابت آياتُ بدايتها على مسمعي انسيابًا غريبًا، وكأنّ في مطلعها سرًّا جعلني أُعيدها مرارًا وتكرارًا، متعطّشةً لنورٍ أضاء عقلي وقلبي معًا.
قشعريرةٌ سَرَت في كياني، دفعتني إلى تسليمٍ خالص لعظمة خالقي، وقدرته، وقوّته، ورفعة شأنه… الله جلّ جلاله.
نعم، وأوّل ما تَوارد إلى ذهني، وما تيقّنتُ منه بكامل جوارحي، أنّني في تلك اللحظة، لو لم أكن مسلمة، لأسلمت!
ولعلّ أكثر ما أثار دهشتي لاحقًا، حين علمت أنّ هذه السورة كانت سببًا في إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه...
نعم، شعرتُ بما شعرَ به عُمر!
﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرةً لمن يخشى﴾
إنّه خطابٌ من ربّ العالمين، موجَّهٌ إلى النبي ﷺ، وإليّ، وإليك.
فعندما تقرأ القرآن بعين المتلقّي لا بعين العابر، تعيش بين كلماته، وتتنقّل بين آياته خفيفًا، متعطّشًا لمعرفة ما الذي سيخبرك به الله.
فالقرآن لم يُنزَّل ليُشقي القلوب، بل ليكون رحمةً لكل قلبٍ يسعى إلى الحق.
والخشية من الله، ولو كانت بمقدار بذرةٍ صغيرة في القلب، يسقيها القرآن ويُحييها.
﴿تنزيلًا ممن خلق الأرض والسماوات العُلى الرحمنُ على العرش استوى﴾
هي رسالةٌ من الله، خالقِ كلّ شيءٍ ومليكه، خالقِ الأرض ومن عليها، وخالقِ السماوات ومن فيها، والمتصرّفِ الأول والآخر فيهما.
هو الرحمن، العليّ المتعالي، العظيم، صاحب الجلال، الذي تجب له العبادة والتذلّل.
فهل يعبد الإنسانُ إلا إلهًا عاليًا، جبّارًا، خالقًا، لا يضرّه شيءٌ لا في الأرض ولا في السماء؟
﴿له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى﴾
مالكُ كلّ شيء، ولا شيء يخرج عن ملكه؛ لا الظاهر الذي نعلمه، ولا الباطن الذي نجهله، ولا ما تحت أقدامنا، ولا ما فوق رؤوسنا.
وهنا يفرض السؤال نفسه:
لماذا نخاف المستقبل، وكلّ الأمور في قبضة الله، ولطفه، وحكمته؟
أفلا يجدر بنا أن نُسلِّم تسليمًا مطلقًا، ونطمئنّ طمأنينةً لا خوف بعدها، ومعبودُنا قادرٌ مقتدر، رحمنٌ رحيم، مالكُ الملك، ذو الجلال والإكرام؟
﴿وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السرَّ وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾
يعلم ما نقول وما لا نقول، بل يعلم ما لا ندركه بعد.
هو الخالق سبحانه، يعلم ما في أنفسنا قبل أن نعيَه.
لا معبود بحقٍّ إلا هو، ولا ملجأ ولا منجى إلا إليه.
له الأسماء الحسنى التي سمّى بها نفسه؛ كلّها دروسٌ وعِبر، وزيادةُ تثبيتٍ وإيمان، وترسيخُ عقيدةٍ ويقين.
مع وقع تلك الآيات، يخرج القلب من ظلمات الجهل إلى نور اليقين..
ومن خلالها تَسمو الروح، وتُغرس جذور الإيمان..
فمع عظمة الخالق تصغُر النفوس وتستكين..
فلا يوجد من يستحقّ العبادة سواه..
ولا شيء يزيل غمَّ القلب سوى كلامه.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




شعرتُ بما شعرَ به عُمر!
استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة الدعوة الإسلامية
الإسراء والمعراج سلوى للرسول وتذكير بشرف الوصول
يا أُمَّة الإسراء والمعراج !
شبهة التعدد في الإسلام