حوار خاص مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي
وسط تحوُّلاتٍ عاصفة، وإرثٍ ثقيلٍ من المعاناة، أجرى مدير تحرير مجلة إشراقات حوارًا صريحًا وخاصًّا مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي، مقاربًا لحظةً مفصلية في تاريخ سورية، بين قراءةٍ واعية للواقع، واستشعارٍ لمسؤولية المرحلة...
في الحقيقة، أنا بينكم ومع إخوتي الأكارم، وغيابي عن التدريس أحياناً والفعاليات العامة الإسلامية يتعلَّق بما تفرضه الظروف الصحية والموضوعية على رجل تجاوز الثمانين من السنين.
ثم إنني، وبتوفيق الله، لدي مجموعة كبيرة من الدروس والمحاضرات والكتب المسجَّلة، متاحة على الإنترنت وفي التطبيقات. فضلاً عن ذلك، فقد كنت وما زلت أُؤمن بأهمية فريق العمل، واليوم ولله الحمد يقوم على العمل والخطابة والتدريس إخوة كرام، ولله الحمد والمنَّة.
2- ما تقييمكم للخطاب الإسلامي في سوريا اليوم؟
بدايةً، فإنَّ دينَ الله ثابتٌ ومحفوظ، وما نحتاجه هو نزع نوابت السوء التي أُلبِست بالدِّين، وكذلك ضبط تديُّن الناس بحيث يكون على الوجه الذي أنزله الله ويرتضيه. أما الخطاب الإسلامي، فليس لدينا خطابٌ واحد، بل خطابات متعدِّدة حسب توجُّه صاحب الخطاب والمدرسة التي ينتمي إليها. كما أن عموم الخطاب الإسلامي ما زال يعاني إما من تعقيدات لا يفهمها كثيرٌ من الناس، أو من سطحية لا تنهض بأهله، بل تُثبِّطهم وتُغرقهم في جزئيات مملِّة ومكرَّرة، لن تُحدث فارقًا في سلوكهم ومعاملاتهم، وهذا ربما ينسحب على الواقع في معظم العالم الإسلامي.
3- في سورية اليوم تياراتٌ ومشاربُ وتصنيفاتٌ إسلامية، وقد تتناحر فيما بينها على الرغم من أنها تصدر عن مِشكاة واحدة، فما الذي أوصلنا إلى هذا؟
إنه الهوى… وأقول دائمًا: إذا كان الهدف واحدًا، والطريق واحدةً، فاللقاء حتميّ، فإذا لم يتمَّ اللقاء، فأحد الأطراف على منهج غير صحيح؛ أي: الهوى الذي عنيت. الأمرُ الآخر؛ وهو من الآفات التي تُصيب بعض طلبة العلم، ألا وهو كِبْرُ العلم، وهذا واقع، والإصرار على المرجوح، لكي لا تُنتقصَ مكانة العالم أمام الأتباع. الأمر اليوم يشوبه كثيرٌ من الخلل.
4- في زيارتكم الأولى للرئيس أحمد الشرع في الأيام الأولى للتحرير شَعَر الناس بكثير من الارتياح إلى هذه الزيارة، وقد أعطت انطباعًا إيجابيًا عن القيادة السورية الجديدة، فكيف تقيِّمون تلك الزيارة؟
نعم، كانت الزيارة في عنوانها تعبيرًا عن الفرح بانتصار الثورة السورية وسقوط النظام البائد، وتأييدًا للرئيس الشرع، وللثوار الذين مكَّنهم الله من إزالة أعتى نظامٍ مُجرم عرفه التاريخ الحديث، والسيطرة على البلاد بأقل الخسائر البشرية، وقد تعامل مع الجميع بحكمة المسلم الواعي ورجل الدولة الواثق من خطواته. أما الرئيس الشرع، فهو دمثُ الأخلاق، متواضع الطبع، وفي نبرته حزم القيادة. إذا استمعتَ إليه وهو يتكلم بصدقٍ وعفوية، ستجد نفسك أمام رجلٍ منا ونحن منه، هذا ما أحسبه، واللهُ حسيبُه.
5- قلتُم في تسجيل سابق إن دعم الناس للرئيس الشرع فرض عين، وقد أنكر عليكم كثيرون هذا الكلام، فما هو قصدكم؟
قصدتُ يومها دعم تجربة الحكم الوليدة، وكنتُ وقتها قد خرجتُ للتوّ من لقاءٍ تشاوري حول الحوار الوطني، وقد غصَّ اللقاء بالحضور، كما غصَّ أيضًا بالتباينات الوطنية، وهذا كان مؤلمًا لي وللكثيرين من أبناء الوطن الشرفاء. أما كلمة فرض عين فهي على سبيل المَجاز، وأنا لم أقصدها لفردٍ بعينه، بل للتجربة الجديدة التي يجب أن نحافظ عليها، طالما أنها تسعى للإصلاح والصلاح.
6- بعد عام على التحرير تقريبًا كيف تقيِّمون المشهد السوري بكافة نواحيه؟
من الناحية الاجتماعية؛ فإن أربعةَ عشرَ عامًا من القتل والتنكيل والهدم والاعتقال والإرهاب، والإخفاءِ القسري والنزوح واللجوء، تركت نَدَباتٍ واضحة في بنية الإنسان السوري، ليس أقلَّها تفكُّك الأسرة، ثم الفقر الذي أنهك الناس وجعلهم بلا مستقبل واضح. وهذا يتطلب جهودًا كبيرة من برامج تأهيل وحملات توعية، وأنا أنظر إلى المستقبل بتفاؤل كبير بإذن الله.
7- ماذا عن الناحية الاقتصادية؟
من خلال ما شاهدته وسمعته على مدى هذا العام تقريبًا، هناك سعيٌ دؤوب للإصلاح السياسي والاقتصادي والخِدمي، وهناك بعض الخلل في بعض ما يصدر من قرارات، وما يصلح منها للحالة السورية. وهذه نتيجة طبيعية لتجربة وليدة لدولة تتبدل توجّهاتها كليًّا، وتسعى إلى النهوض بمواردَ شبه معدومة. وأي جهدٍ يُبذل في سبيل النهوض الاقتصادي هو محلُّ تقدير. لكن من المهم جدًا التركيز على التأهيل والتدريب للإنسان السوري، لتصبح فرص العمل مُجدية لأطراف العملية الإنتاجية، وفتح صناديق لرعاية التعليم والتأهيل، ودعم الأسر المتضرِّرة؛ لتمكينها من الانخراط في العمل وتحويلها إلى منتجة، لتتجاوزَ الأزمات التي مرَّت بها.
8- ما تقولون في الناحية الدينية؟
أعتقد أن المجتمع في سوريا أصيل ومتديِّن، ويعنيه أمر دينه بشكل جيد، ومن المؤكَّد أنَّ المشهد الإسلامي على الصعيد الشعبي العام لا تظهر فيه انقسامات حادّة، لعدة أسباب، منها طبيعة السوريين الحضرية، ويضاف إليها المجاملة وعدم الصدام. لكن هناك، لا شك، استقطاب حادّ وتباين فكري فيما بين المدارس، وتحديدًا السلفية والأشاعرة، وهذا ظهر عقب التحرير بشكل واضح، وفي بعض الأحيان بشكل فجٍّ وغير مقبول. وخطابي للطرفين: لم ولن يتمكن طرف من إلغاء الآخر، وكل الجهود التي بُذلت عبر مئات السنين في محاولة لإثبات أحقية فريقٍ على آخر، لم تحصد سوى فُرقةٍ وخلافٍ لا يقبله الله ورسوله، ناهيك عن أن هذا يُبعد الناس عن دينهم وعن مساجدهم، ويقرِّبهم من دعاة السوء الذين شذّوا، فضلّوا وأضلّوا. كما أنه لا بد للعلماء والدعاة الربانيين من أن يلتقوا، ولا بدّ لهذا الجسم الإسلامي من أن يتماسك، وعلينا أن ننزع الأنا، وجماعة فلان وفلان، وننبذ الخلاف، ونُنهي مفهوم الجماعات؛ لنعلي مفهوم الانتماء لأمَّة الإسلام. وهذا ليس اختيارًا، بل مطلب إلزامي، إن لم نسعَ لتحقيقه فسيكون للباطل جولات مؤثِّرة سلبًا في المجتمع المسلم. أما على الصعيد الإداري للأوقاف، فهذا - ولله الحمد، وبحسب ما نسمع ونرى - هناك تحوُّل حقيقي في دور هذه الوزارة التي أنهكها النهب والمحسوبيات والفساد لعقودٍ خلت. أتمنى أن تختصَّ بإدارة شؤون الأوقاف والمساجد، وتُنشئ هيئة مستقلة للدعوة والإرشاد، تتولّى مهامّ الخطباء والدعاة والإفتاء، يقوم على إدارتها أفاضل من أهل العلم والدعوة، وتتفرَّغ لوضع معايير شفافة لإدارة المنابر والعمل الدعوي برمَّته. وهذا الملف إنْ صَلَح، وصعد المنابر رجالٌ لديهم العلم والوعي والحكمة، فهذا يُحدث فارقًا كبيرًا في سلوك الناس ومعاشهم، ويساعد على بناء المسلم الغيور على أرضه، والدَّؤوب على بناء ما يحقِّق لوطنه من المكتسبات.
9- فضيلة الشيخ أنتم عضو في مجلس الإفتاء السوري، فما دور هذا المجلس وكيف تقيِّمون نشاطه حتى الآن؟
نعم، تشرّفتُ بأن أكون عضوًا في هذا المجلس مع السادة الأفاضل من أهل العلم. المجلس يجب أن يتولَّى شؤون الفتوى، والنظر في المستجدَّات والنوازل، ومراقبة سلامة القوانين الصادرة مما يعارض الشريعة ويلزمها الاجتهاد. كما سيكون له دورٌ في تقديم الاستشارات في السياسة الشرعية. هذا ما يفترض أن يكون الدور المناط به، لذا فإنه من المبكر تقييم أداء المجلس حالياً.
10- ما خطابكم لباقي الطوائف في سورية، فكما تعلم كان هناك قلاقل مؤلمة أشعرتها بالخوف؟
أقول: إن سوريةَ لكل السوريين، وهم جميعًا شركاء في هذا الوطن، ومتساوون في الحقوق والواجبات، وقد كانوا كذلك عبر تاريخهم، حتى نُكبنا بالنظام البائد الذي كرَّس طغيانه من خلال الممارسة الطائفية المقيتة. إن حقوق الجميع مصانة: دماؤهم وأعراضهم وأموالهم وكافة حقوقهم. هذا هو ديننا، وهذه هي ثقافتنا، وذاك هو تاريخنا. فلا تنظروا لرأيٍ هنا أو هناك، فإن المتربِّصين لن ينفعوكم إلا في حدود الدور الذي سيُطلب منكم، ثم ينقلبوا عليكم. إن الثابت الأساسي الذي يجمعنا هو الانتماء إلى الوطن، والانصياع للقانون. مَن قتل وأجرم وعذَّب، لا بد من أن يُحاكم مهما كانت طائفته. ومَن سرق ونهب وابتزَّ الناس، لا بد من أن يُحاكم مهما كانت طائفته. ومَن أيَّد وحرَّض وبارك الإجرام، لا بد من أن يُحاكم مهما كانت طائفته. المطلوب منا نحن أبناء سورية: عدم حماية أحد أو تغطية أحد من هؤلاء المجرمين. فلنخرج من هذه الدعوى المَقيتة: 'حماية الأقليات'، والتي ابتكرها النظام البائد لاستخدام بعض الأقليات، وقد نجح في استخدام فئة محدَّدة منهم بشكل كبير لعقود، ونال السوريون ما نالوه من شرورهم. ولا نُنكر أنه استخدم أيضًا جزءًا من الأكثرية وباقي الطوائف السورية الأخرى. إن أهل السنة في سوريا هم الأكثرية العددية، ويلتقون مع شركائهم في الوطن على ما ذكرته: الانتماء إلى الوطن، والانصياع للقانون الذي يضمن الحقوق ويحقِّق الأمن. والسوريون، بعد هذه العقود من الظلم والقتل والفساد والإفساد، من حكمٍ طائفي مَقيت استخدم الجميع وأفسد الجميع، لن يمكّنوا طائفيًا بغيضًا، أقلّيًا أو أكثرّيًا، من الوصول إلى الحكم مرةً أخرى، مهما دعمه الغرب أو الشرق، وهذا - فيما يبدو لي - مُحال بإذن الله.
11- فضيلة الشيخ، ما تعليقكم على الحراك السياسي الذي تقوم به السلطة اليوم، وهل لديكم تخوُّفات تجاه بعض الملفات، وهل هناك ثقة بسلامة هذا الحراك؟
أولاً، هذا الحراك جيد ومطلوب، ولا بد منه لدولة تعيش في وسطٍ مأزوم منذ عقود، لا سيما إقامة أفضل العلاقات مع دول الإقليم والعالم. ونحن نبارك كلَّ جهد يصبُّ في مصلحة الأمَّة والوطن. إن المشهد للمراقب يدعو للتفاؤل بالتأكيد إنْ صدقت النوايا... لكنني، على الصعيد السياسي والاقتصادي، وعلى مدى عقود متطاولة، لم أَرَ اتفاقًا رعاه أو نظَّمه الغرب مع العالم الإسلامي وكان في صالح المسلمين. عقود طويلة مضت، ونحن نتدحرج من دَرَكٍ إلى دَرَكٍ أسفل منه، على صعيد التنمية والاقتصاد والتعليم. وكل ذلك بسبب حكَّام وَضَعهم الغرب، استخدموا القومية والاشتراكية والصمود والمقاومة، وحتى الدين، لتبرير النكسات والهزائم، ولتبرير الاستبداد والعجز الاقتصادي ونهب مقدَّرات الشعوب. وهم أبعد ما يكونون عن الدين والقومية والمقاومة. وقد تبيَّن للناس أن كلَّ تلك الشعارات ما استُخدمت إلا ضد الشعوب العربية المسلمة… وما زالت. ونحن اليوم أمام تجربة استثنائية بكل تفاصيلها ورجالها، ونطمح معهم وبهم إلى نهضة علمية واقتصادية وعسكرية حقيقية، تُمكِّننا من نَيْل الحرية الحقيقية: حرية القَبول والرفض، حرية التفكير لا حرية التقليد، حرية بناء القوة لا حرية إدارة القوة، حرية النديَّة لا حرية الإذعان، حرية المفاصلة لا حرية المجاملة. ونسأل اللهَ التمكين وَفق مرضاته.
12- هناك سؤال حول انخراط سوريا في اتفاق محاربة داعش، فما هو تعليقكم؟
داعش ليست جماعة متطرفة قررت أن تفرض فهمها وسطوتها على الناس، والتشنيع بهم وَفق ما تصفه بتطبيق الشريعة فحسب، بل هي منظمة صنعتها أجهزة استخبارات عالمية لتلعبَ دورًا معلومًا، وقد نفذت المطلوب منها، وما زالت كما ينبغي وزيادة. وهي بكل تفاصيلها وإمكاناتها مرصودة، وفي مرمى قوى الغرب، دون أدنى شك. إذاً، فلنتفق على أن قتالها أمر يسير، وإنهاء وجودها أمرٌ أيسرُ منه. وهذا ملف معقَّد بسبب غياب توصيف دقيق لهذا التصنيف، دون تعريفات واضحة. 'إرهابي' أُطلقت أصلاً للاستخدام السياسي في كثير من الحالات. فكلمة 'إرهاب' استخدمها الغرب ضد بعض حركات التحرُّر المُحِقَّة، كما أن السلطات قد تستخدمه في النيل ممن يُعارض سياسيًا. وأعتقد أننا، على الأقل في سوريا الجديدة، يجب أن نضع له تعريفًا واضحًا، لكي لا يُساء استخدامه. الأمر الآخر: نحن أيضًا لا يمكن أن ننكر أن التطرُّف قد تغلغل في صفوف بعض الشباب، وذلك ليس بسبب الفهم الشاذِّ للنصوص والفتاوى فحسب، وإنما بسبب البيئة التي أفرزت هذا التطرُّف: من مجازر فلسطين إلى احتلال العراق، ثم آلة القتل والإجرام والإبادة في سورية بحق المسلمين، التي لم تتوقف، ولم تُحاسب، بل دُعِمت، وجلُّ القرارات الدولية فشلت في إيقافها - إن لم نقل وُضِعت لحمايتها. أي شاب أو رب أسرة، إذا أُمِّن له فرصة عمل، ودَخْل كافٍ، وسكن كريم، وكرامة مُصانة، سيصبح – غالبًا - شخصًا عاقلًا ومتوازنًا. وهذا الملف، معالجته تتطلب عدالةً ناجزة، وتوجيهًا، وفرصًا، وهو - حسب ما أرى - مِن أهم الملفات التي يمكن أن تُسْهم في النهوض والبناء، والعودة التدريجية إلى الاستقرار والازدهار لأهل المنطقة.
13- الاتفاقية متضمنة تحالفًا عسكريًا مع الغرب، فهل هذا مُغطًّى شرعًا؟
المسألة معقَّدة، وفيها ما فيها من الآراء، ولن أدخل بهذه التفاصيل. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل الاتفاقية معزولة عن المشهد الكامل السياسي منذ التحرير وحتى اليوم؟ أم هي من صُلب المشهد؟ وهل خيارات القبول والرفض فيها محدودة جدًا؟ وهل لها علاقة بالاستقرار والتنمية والاستثمارات وإعادة الإعمار؟ أم هي طارئة على المشهد؟ أمّا ما يمكن أن أقوله لقيادتنا الجديدة، والفريق الذي يعمل، والدعاة والعلماء: علينا أن نفهم ونتفهَّم الظرف السياسي الإقليمي والدولي، ولا نحاول البحث عن فتاوى ونصوص لإضفاء شرعية إسلامية على اتفاقيات ومعاهدات يفرضها القوي على الضعيف؛ لكي لا نقع في استخدام الدين للدنيا. في عالم مليء بالمادية والمصالح والشبهات، وأن نسعى جهدنا لعدم الوقوع في أحابيل الأعداء، فنكون ضمن أدواتهم المستخدمة لصالح مشروعهم الاستعماري. وأفضل ما يمكن فعله هو التزام قول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ{.
السؤال الأخير: 14- ما رؤيتكم لمستقبل منطقتنا وأمَّتنا الإسلامية؟ وهل من نصيحة للدعاة وطَلَبة العلم وعموم المسلمين في العالم؟
المستقبل بيد الله أولاً، ونحن نتفاءل بإيماننا أنه لا غالب إلا الله، مهما علا الباطل وازدهرت شعاراته فهو إلى زوال. ولو تكلمت عن المستقبل بإيجاب فستجد مَن سيتكلم عنه بالسلب والعكس بالعكس، وهكذا هي سُنن الله في كونه: صراع الحق والباطل مستمر إلى قيام الساعة. أما رسالتي للدعاة وأهل العلم، فهي أن يتفقدوا مواقع أقدامهم، وفي أي جانب من جوانب الصراع يقفون، وذلك لعِظم مسؤولية الكلمة التي تصدَّوْا لحملها فهم ملح البلاد وقوامها، ولم يتبقَّ للناس من مرجعيات فكرية ثابتة سوى الدين الخالص، وهو الحق المطلق لأنه وحي السماء. وعليهم بناء الإيمان الخالص والعقيدة الصحيحة في نفوس الناس، والتركيز على هذا الأمر بشكل كبير؛ لأنه إنْ صحَّت العقيدة صحَّ العمل، وإن فسدت فسد العمل، وأن نخفِّفَ القول ونُكثر من العمل، وألَّا يرانا المدعوُّ على غير ما ندعو إليه. أما رسالتي للأمَّة، فهي الآية التي وردت في كتاب الله على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيًّا}، وهي ملخَّص الإيمان والعمل، فالعبادات هي علاقة بالخالق والتزام بمنهجه الذي ارتضاه لعباده وَفق الكتاب والسنَّة الصحيحة، والإحسان إلى المخلوق من خلال العمل الصالح من نصح وبذل وعطاء، وبذلك نُسعد ونَسعد في الدنيا، وننال العفو والفوز بالجنة في الآخرة.
نتوجّه بخالص الامتنان إلى فضيلتكم على سعة صدركم وكرم وقتكم، لما تفضّلتم به من حوارٍ ثريٍّ قيّم أضفى وعْيَاً وفائدة.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




حوار خاص مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثاني عشر
خواطر مع دخول العام الجديد 2026 م
حساب آخر السنة.. بين التعقُّل والفتنة!
من المحراب إلى الطمأنينة: قصة ابنة عمران في القرآن