رَوْضَةُ الذَّاكِرِينَ
غزّة… مَدرسةُ الحضور مع الله
لا تزالُ مَشاهِدُ غَزَّةَ عالِقَةً في أذهانِنا، ولا يزالُ عقلُنا القاصِرُ عاجزًا عن استيعابِ هذه النَّماذجِ الرَّبّانيّةِ التي تَعيشُ بيننا. لا نزالُ قابعينَ في مَدرسةِ غزّة ننهلُ منها الكثير؛ هناك حيثُ تتساقطُ القنابلُ كالمطر، وتُهدَمُ البيوتُ على رؤوسِ ساكنيها، تسمعُ الذِّكرَ يعلو من بين الرُّكام: حَسْبُنَا اللهُ ونِعْمَ الوكيل، لا إلهَ إلا الله، لا حولَ ولا قوّةَ إلا بالله.
هناك… حيثُ الذِّكرُ سيفٌ بتّار وليس كلماتٍ تُقال. فأيُّ حضورٍ أعظمُ من هذا؟ وأيُّ يقظةٍ أصفى من قلبٍ يذكُرُ الله وهو بين الموتِ والحياة؟
مَراتبُ الذِّكر عند أهل الله
يقولُ ابنُ عطاءِ الله السَّكندريّ: «لا تتركِ الذِّكرَ لعدمِ حضورِ قلبِك مع الله فيه؛ فإنَّ غفلتَك عن وجودِ ذِكرِه أشدُّ من غفلتِك في وجودِ ذِكرِه؛ فعسى أن يرفعك من ذكرٍ مع وجود غفلة إلى ذكرٍ مع وجود يقظة، ومن ذكرٍ مع وجود يقظة إلى ذكرٍ مع وجود حضور، ومن ذكرٍ مع وجود حضور إلى ذكرٍ مع وجود غيبة عما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز»
بهذه العبارةِ البليغةِ جمعَ ابنُ عطاء أسرارَ الذِّكرِ وآليّاتِه، ليصلَ العبدُ إلى أرقى مراتبِ العبوديّة:
• ذكرٌ مع وجود غفلة: ابدأ الذكر ولو كان القلبُ شاردًا، حتى لا تجتمع عليك غفلتان: غفلة القلب وغفلة اللسان.
• ذكرٌ مع وجود يقظة: انتباهٌ لمعاني الذكر عند الاشتغال به، وهو ذكر العوام.
• ذكرٌ مع وجود حضور: اطمئنان القلب بذكر الله، فيكون حاضرًا بقلبه ولسانه، وهو ذكر الخواص.
• ذكرٌ مع وجود غيبة عمّا سوى المذكور: يسكت اللسان وينطق الجنان، ويصفو القلب حتى يرقى إلى الربانية.
وإذا عرفنا مراتب الذّكر، وجب أن نتأمل مكانته في طريق السالكين…
الذِّكر… رُكنُ الطريق وأصلُ السّلوك
يقولُ ابنُ عجيبة في إيقاظ الهمم: «الذِّكرُ رُكنٌ قويٌّ في طريقِ القوم، وهو أفضلُ الأعمال». قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ والذِّكرُ الكثيرُ: ألّا ينساهُ العبدُ أبدًا.
وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «كلُّ عبادةٍ جعل الله لها وقتًا مخصوصًا، وعذر العباد في غير أوقاتها، إلا الذّكر؛ فقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾».
لا تتركِ الذِّكرَ وإن كنت غافلًا، ولا تتركِ الذِّكرَ وإن كان قلبُك لا يواكِبُ لسانَك؛ فإنّك إن ذكرت اللهَ وأنت غافل، فأنت أقربُ إليه ممّن غفلَ عن الذِّكرِ نفسِه، وإن شغلتَ لسانَك بالطاعة، فهو خيرٌ لك من أن تشغله بالمعصية.
الذِّكر… دواءُ الغافلين ونورُ الحائرين
الذِّكرُ ليس حكرًا على السالكين في تمام يقظتهم؛ بل هو دواءُ الغافلين، ومفتاحُ الحائرين، وسُلّمُ التائهين. وهو النورُ الذي يُضاءُ في ظُلمةِ القلب، حتى يضيءَ لك الطريق، ويعرّفك بمن تذكُره، فتنتقل من غفلةٍ إلى يقظة، ومن يقظةٍ إلى حضور، ومن حضورٍ إلى غيبةٍ عمّا سواه.
إنّه الحضورُ الذي ينقلك إلى حالةٍ من الطمأنينةِ والثباتِ واليقين، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
نماذجُ ربّانية… سرُّ ثباتِها الذِّكر
ها هي السيّدة عائشة رضي الله عنها: حين رُميَتْ بالإفك، واشتدَّ البلاء، لم تجد ملجأ إلا الذكر والدعاء، فأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات، وجعلها آياتٍ تتلى إلى يومنا هذا.
أمّا السيّدة هاجر: فحين تركها نبي الله إبراهيم في وادٍ غير ذي زرع، لم تحتج إلّا جوابًا واحدًا: «آللهُ أمركَ بهذا؟»، قال: نعم، فقالت: «إذًا لن يُضيّعَنا»، ففجّر الله لها ينابيع اليقين، وصارت مكة مهوى أفئدة الناس.
وها هو أبو مُعلّق: حين دهمه الموت، لجأ إلى الله بدعاء المضطر، فجاءه الفرج من السماء الرابعة.
وها هو الشهيد المجاهد محمد زكي حمد في كتابه تحت راية الطوفان ومن قلب المعركة: يحدّثنا عن علاقته وإخوانه المجاهدين مع الذكر فيقول: «لقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين إذا أرادوا الثبات عند لقاء عدوهم أن يكثروا من ذكر الله تعالى، فقال سبحانه: ﴿يا أيُّها الَّذين آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقد عقدت بحمد الله سلسلة أتذاكر فيها معاني وأسرار الأذكار مع إخواني المجاهدين، وعلاقة الأذكار بالصّلة بالله»
هكذا كان حالُهم مع الذِّكر، وهكذا كانت علاقتُهم مع خالقِهم؛ عرفوا الله في الرّخاء فعرفهم في الشّدة، وأيقنوا أن لا ملجأ لهم إلا الله.
في روضة الذّاكرين تُزهِرُ القلوب
وهكذا، من عائشة إلى هاجر، ومن أبي مُعلّق إلى المجاهدين في غزة، تتجلّى لنا روضةُ الذّاكرين؛ حيث تُزهِر القلوب وتثبت الأقدام مهما اشتدّت المِحَن وضاقت السُّبل.
فمن لزم الذِّكر، وجد النّورَ في الظُّلمة، والطّمأنينةَ في الاضطراب، واليقينَ في مواطن الرَّيب. كيف لا، وربُّنا جلّ وعلا يقول: ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
فالفلاحُ كلُّه في الذِّكر، ومن عرف طريق الله لم يَخِب أبدًا، ومن أقبل بقلبه عليه تولّاه بلطفه، وساقه إلى نورٍ لا ينطفئ، وطريقٍ لا يضلُّ سالكه.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




رَوْضَةُ الذَّاكِرِينَ
حوار خاص مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثاني عشر
خواطر مع دخول العام الجديد 2026 م
حساب آخر السنة.. بين التعقُّل والفتنة!