شبهة التعدد في الإسلام
تُثار في العصر الحديث شُبهة حول إباحة التعدُّد في الإسلام، فيُنظر إليه من بعض الأطراف على أنه انتقاص لحقِّ المرأة أو تمييز للرجل. غير أنّ العودة إلى النصوص الشرعية ومقاصد التشريع تكشف أن التعدد في الإسلام ليس أصلًا مطلقًا ولا هدفًا بحد ذاته، بل هو تشريع منضبط بالعدل والرحمة، يُلبّي حاجاتٍ إنسانيةً واجتماعية لا يُمكن تجاهلها.
أولًا: التعدد في الإسلام تشريعٌ مقيّد وليس مطلقًا
أباح الإسلام للرجل الزواج بأربع زوجات، لكن هذه الإباحة جاءت محاطة بشروط صارمة، أهمها:
القدرة على العدل
قال تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾.
فالعدل ليس مجرد ميل نفسي، بل هو عدل في النفقة والمبيت والمسؤوليات. ومن عجز عن العدل أصبح التعدد في حقِّه محرَّمًا.
القدرة على النفقة والمسؤولية
الإسلام لا يسمح للرجل أن يفتح أكثر من بيت وهو غير قادر على إدارة بيت واحد. فالإنفاق والقيام بحقوق الزوجات والأبناء شرط شرعي، ومن أهمله فهو آثم.
عدم اتخاذ التعدد للهوى أو الظلم
التعدد في الشريعة ليس وسيلة للتسلية أو للعبث بالعواطف، بل هو عبادة ومسؤولية، يحاسب الإنسان عليها أمام الله.
ثانيًا: الحكمة من إباحة التعدد
جاء التعدد في الإسلام لحِكَم اجتماعية واقعية، منها:
معالجة مشكلات واقعية عبر التاريخ
قد تزيد أعداد النساء على الرجال لظروف الحروب أو الهجرة. والتعدد في هذه الحالة يحقق حفظ الكرامة للمرأة ويمنع الانحراف أو ضياع الحقوق.
حالات المرض أو العقم
قد تكون الزوجة مريضة أو لا تستطيع الإنجاب، والرجل يحتاج للذرية. فإما أن ينفصل عنها أو يتزوج عليها. فجعل الإسلام التعدد رحمةً بها حتى تبقى في عصمته محفوظة الحقوق.
حماية المجتمع من الانحراف
عندما يُغلق باب الحلال دون بدائل، تُفتح أبواب غير شريفة. فجاء التعدد حلًّا واقعيًا للنفوس والظروف المختلفة، ضمن إطار شرعي يحفظ الحقوق.
ثالثًا: مكانة المرأة المصانة في هذا التشريع
الإسلام لم يتجاهل مشاعر المرأة، بل وضع حدودًا تمنع الظلم، منها:
حفظ حقوقها المالية (مهرها وكسوتها ونفقتها).
• عدم تفضيل زوجة على أخرى.
• منع الإيذاء النفسي المتعمد.
• ضمان احترام مكانتها كزوجة كاملة الحقوق.
بل إن الإسلام واجه بوضوح الميل الجاهلي لاحتقار المرأة، فرفع قدرها وجعل عقد الزواج ميثاقًا غليظًا.
رابعًا: الرد على شبهة أن الإسلام ينتقص من المرأة بالتعدد
التعدد ليس واجبًا بل مباح بشروط
لو كان التعدد انتقاصًا للمرأة، لما جعله الله مقيّدًا بمنظومة أخلاقية وشرعية، ولما عُلّق على القدرة والعدل.
الإسلام ضبط الشهوة ولم يطْلِقها
الأمم السابقة والأنظمة الحديثة فيها تعدد مخفي عبر علاقات غير شرعية لا تحفظ للمرأة أي حق. أما الإسلام فجعل العلاقة واضحة ومسؤولة وذات حقوق ثابتة.
المرأة نفسها قد تستفيد من التعدد
كثير من حالات التعدد عبر التاريخ كانت رحمة بالنساء اللواتي كُنّ بلا عائل أو بلا زوج.
التعدد موجود في الشرائع السابقة
كان التعدد موجودًا بشكل واسع في اليهودية والمسيحية القديمة دون ضوابط، ثم جاء الإسلام ليضع أول نظام تشريعي منضبط له.
خامسًا: التعدد مسؤولية عظيمة لا يقدر عليها إلا من اتقى الله
ليس كل رجل يصلح للتعدد. الشرع نفسه دعا إلى الزوجة الواحدة لمن يخاف من عدم العدل، ما يعني أن الأصل هو الاستقرار الأسري، والتعدد خيار للحالات التي تستدعيه.
قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.
أي العدلُ القلبي صعبٌ، لكن العدل في المعاملة هو الواجب.
التعدد في الإسلام تشريع رحيم وواقعي، جاء لمعالجة احتياجات اجتماعية وأسرية، وليس إهانةً للمرأة كما يُصوَّر. هو مسؤولية عظيمة لا يحلها إلا من التزم حدود الله. وحين يلتزم المسلم بضوابطها الشرعية، يصبح التعدد بابًا لحفظ النفس والأسرة والمجتمع، لا بابًا للظلم أو الفوضى.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




شبهة التعدد في الإسلام
رَوْضَةُ الذَّاكِرِينَ
حوار خاص مع الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثاني عشر
خواطر مع دخول العام الجديد 2026 م