هل تفاجأتم بفضائح إبستين؟
الوثائق المليونية التي نُشرت عن فضائح جيفري إدوارد إبستين تشكّل صدمة للضمير الإنساني، بما فيها من جرائم البغاء وخطف الأطفال وبيعهم واغتصابهم وشرب دمائهم... ممّا يثير الغضب والاشمئزاز والاستغراب... فهل وصل بعض بني البشر إلى هذه الدرجة من الإجرام والسفالة والحقارة وقسوة القلب وانحراف الفطرة؟!.
وليت هذا القبح والانحطاط قد ارتكبه فرد من البشر، إذًا لأمكن أن نلصقَ به كل الدنايا، لكن الوثائق تذكُرُ مشاركة عدد كبير من رجال السياسة والاقتصاد والإعلاميين والفنانين... ممَّن يمثِّلون أصحاب المقام العالي في المجتمعات المتحضّرة!! بل في الولايات المتحدة نفسها وفي دول أخرى تصنَّف عالميًا على أنها في قمة التقدّم!!.
ولا أكتمكم أنني تفاجأت بهذه الأخبار المخزية، لكنني راجعت نفسي فرأيت ذلك ثمرة طبيعية لهذه الجاهلية التي يسمّونها حضارة!. أليس القوم قد اتخذوا الله وراءهم ظِهْريّا، فلم يبقَ له في قلوبهم وقار؟. وإذا انفلت الإنسان من منهج الله، وامتحنه الله بألوان القوة من مال وجاه وسلطة... واطمأن أن لا رقابةَ عليه ولا حساب، فما الذي يمسكه عن الانحدار والانحطاط حتى يهوي في وادٍ سحيق من الظلم والعتوّ والإجرام؟!..
لقد قال أبو العتاهية يومًا:
إنّ الشباب والفراغ والجِدَّة مَفسَدة للمرء أيّ مَفسدة!
وبطبيعة الحال فإن المفسدة التي جعلها أبو العتاهية ثمرة لفَورة الشباب، وغياب الهدف الجميل في الحياة، وتوافر المال... لا تُعدُّ شيئًا أمام ما سمعنا وقرأنا عن فضائح إبستين.
ومثل ذلك عندما قال المتنبي:
والظلمُ من شِيَم النفوس وإن تجدْ ذا عفّة فَلِعلّةٍ لا يَظلمُ
وهو المعنى الذي ذكره لنا ربنا، وهو أعلم بنفوس البشر، وهو خالقها: {إنّ الإنسانَ ليطغى، أنْ رآه استغنى}. (سورة العلق: 6-7). فالإنسان الذي يحسّ أنه مَلَكَ القوَّة يطغى ويفجُر ويظلم ما لم يجد ما يردعه من تقوى لله تعالى، أو رقابة المجتمع الذي يأخذُ على يد المجرمين والمنحرفين، أو سلطة الدولة التي تعاقب على الجنايات... وإذا انفلت ولم يجد رادعًا فلا حدّ لانفلاته، بل إنّ الحيوانات والوحوش تكون أكثر انضباطًا من هذا الإنسان المنفلت. وقد وصف الله تعالى أُناسًا فقال: {إنْ هُم إلّا كالأنعام، بل هم أضلُّ سبيلًا}. (سورة الفرقان: 44).
ونحن الآن لسنا أمام قضية فرد مجرم، بل أمام مجتمع مجرم، يتفاوت أفراده في درجة الإجرام، لكن الإجرام هو طابعه العام، بل إن كثيرًا من الجرائم تصبح مشروعة يقبلها المجتمع ويحميها القانون. أليس أكل الربا وشرب الخمر وممارسة الزنى والشذوذ الجنسي... أعمالًا مشروعة في جاهليّتهم أو 'حضارتهم'!؟.
في الحديث النبوي الذي رواه البخاري ومسلم عن الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم أكملهم بالمئة حتى أشار إليه رجل عالم أن: 'انطلقْ إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبُد الله معهم، ولا ترجعْ إلى أرضك فإنها أرض سوء'.
وهنا الشاهد: إن الذي يتمكّن من ارتكاب هذه السلسلة من الجرائم في المجتمع _وهي أهون من جرائم إبستين وشركائه_ فلا بدّ أن هذا المجتمع بلغ من السوء حدًّا فاحشًا.
وهنا، عندما يبلغ الأمر إلى درجة خطف مئات الأطفال والفتيات واغتصابهم وذبحهم... ويشارك في هذه الجرائم رجال السياسة والفن والإعلام... فإن القضية تتجاوز حدود المعقول، وإنها من المعيشة الضنْك التي يعاقب الله بها مَن أعرضَ عن ذِكره واتّبع هواه ووصل به السقوط في وَحْلِ الشهوات إلى درجة الجشَع.
وهل لنا أن نلتفتَ إلى جانب مظلم آخرَ من جوانب المجتمع الجاهلي المتحضّر!؟ نعم، إنه المجتمع الذي نشأ على إبادة الملايين من الأفارقة ومن السكان الأصليين لما سُمّي بالأمريكيّتين، وما يزال هذا المجتمع يدعم الصهاينة في جرائمهم، وما يزال يسرق ثروات الشعوب الضعيفة، وما يزال يلحّ على نشر جاهليّته 'حضارته' في كلِّ أصقاع الأرض، مستخدمًا العصا والجزرة لتطويع مَن يقاومه أو يمتنع عليه، ولا يتورّع أن يدبّر انقلابًا على الحاكم الذي يخرج عن طاعته، وقد يقوم بخطفه من قصره!!.
إنّ جرائم إبستين وشركائه هي حلقة قذرة في حلقات كلها قذرة.
{وكم أهلكنا مِن قريةٍ بَطِرَتْ معيشتها، فتلك مساكنهم لم تُسكن من بعدهم إلّا قليلًا. وكنا نحن الوارثين}. (سورة القصص: 58).
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




هل تفاجأتم بفضائح إبستين؟
عَظٌمتْ آثارُهم على الرغم من قِصَر أعمارهم
حجابكِ وقفة عزّ
الحجاب وقاية واستقرار
شعرتُ بما شعرَ به عُمر!