خواطر مع دخول العام الجديد 2026 م
{يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الأَبْصَارِ}[النور:44] :
عامٌ شمسيٌّ طُوِيَت صحائفُه.. كما طُوِيَت صحائفُ أعوام قبله أشياء كثيرة متشابهة.. وأشياء مختلفة.. وأشياء مستجدّة.. وأشياء طواها عالم الإهمال والنسيان..
وأفراح وأحزان.. وأشخاص قد رحلوا عن هذه الدار.. وأشخاص دخلوا إليها..
ويبقى الجديدان: الليل والنهار، يدوران بالأعمار، كما يدور الرحى، يطحن الحبّ، ويعمل ولا يكلّ.. ولا يتوقّف إلاّ أن يأْذَن صاحبه..
وتجري بهذا الكون سُنَن الله تعالى وأقداره بعلمه وحكمته، بالتجديد والتغيير، حتّى يرث الله الأرض ومن عليها..
والمُهمّ في حياتك أيّها الإنسان العاقل أن لا تجعل نفسك بمرور عام، ودخول عام جديد، كالطلل البالي، تتآكل من داخلك حتّى تفنى.. تقف عليه متأسّفًا متحسّرًا.. تندب حظّك، وتبكي أيّامك، وتجدّد أحزانك، على أيّام مضت ولن تعود، وشباب يتوارى خلف زحف المشيب، وعافية تتناقص يومًا بعد يوم.. فما جدواك من ذلك.؟!
دخول عام، ورحيل عام.. لا معنى له إلاّ بك أيّها الإنسان، أنت الذي يصنع الفعل الذي يخلّده بين الأعوام.. ويصنع من نفسه ما تسعد به الأيّام والأجيال..
وكما يرحلُ العام.. سنرحلُ نحن عن هذه الدنيا بما جمعنا من الأعمال..
فانظر أيّها الإنسان! بِمَ ترحل.؟ وماذا تترك وراءك.؟
فَخُذْ لكَ زادينِ: من سيرة ومن عملٍ صالحٍ يدّخرَ
وكن في الطريقِ عفيفَ الخُطا شريفَ السَّماعِ كريمَ النظر
ولا تخْلُ من عملٍ نافعٍ تَعشْ غيرَ عَبْدٍ، ولا مُحتَقَر
وكن رجلًا إن أتَوْا بعده يقولون: مرّ، وهذا الأثر
ألقِ أيّها الإنسانُ عن همّتك حُجُبَ الكلام، وأغلالَ الأوهام، ورُكامَ الآثام، وانهض برسالة وجودك، وغاية حياتك، واسعَ إلى سرّ سعادتك بالإقبال على ربّك، قبل أن يفجأك الأجل، وتتحسّر على العمل، فيوم الرحيل قريب: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيه فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِه فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُور بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا }[الانشقاق:6 ــ15].
اليوم تُطوى صَفحةٌ.. وتُنشَرُ صَفحةٌ..
صَفحةٌ تُطوى.. بما حمّلناها من أعمال خير وشرّ، وبرّ وإثم، وجدّ وعبث، ولهو ولعب.. وصَفحةٌ تُنشَر.. لنكتب فيها ما نريد..
وأكثر الناس الذين لا يقفون مع أنفسهم وقفة المُحاسبة، يكتبون في صفحة العام الجديد كما اعتادوا أن يكتبوا في سابقه، فلا يزيدهم مرور الأيّام شيئًا يذكر، وربّما كان قادم أيّامهم مزيدًا من الخسران في ميزان حسابهم، وهم لا يشعرون..
وقديمًا قال سلفنا: 'مَن لم يكن في زيادة من أمر دينه فهو في خسران، ومن كان في خسران فبطن الأرض خير له من ظهرها'.
ومنذ عقود مضت، وأنا كلّما طويت صفحة، وتجدّدت في حياتي صفحة أقول للنفس: « ويحك! أيّتها النفس.! هذه هي الصفحة الأخيرة، هي منحة لك من ربّك، فجدّي واجتهدي.. وشمّري واستدركي.. وغيّري ما أنت فيه إلى ما هو أحسن، فكلّ ساعة من العمر نعمة عليك من ربّك، وحجّة عليك.. فاحذري أن تكوني من الخاسرين..» وأعيش معها في صراع مرير خلال العمل في الصفحة الجديدة، تطاوعني في أمر، وتغلبني في أمور، ولا أزال معها كذلك حتّى تقترب الصفحة من الرحيل.. فأعود معها على بدء.. وهكذا.. حتّى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.. وإلى الله ترجع الأمور..
فيا ربّنا إنّك سألتنا من أنفسنا ما لا نملكه إلاّ بك فأعطنا منها ما يرضيك عنها، وتولّنا بهداك في شؤوننا كلّها، واختم حياتنا بأحبّ ما يرضيك عنّا..
اللهم إنّا تبنا إليك، وإنّا من المُسلمين، فاجعلنا ممّن قلت فيهم: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف:16].
اللهم إنّا نستودعك ما مضى من أعمارنا وأعمالنا، فاجعل ما فيها من خير في حرز الرضا والقبول، واعف عمّا فيها من سوء وتقصير.. برحمتك يا أرحم الراحمين..
موعظة الأيام:
أيّها المُحتفل بمرور السنين، وتقلّب الأيّام.. ودّع الأيّام أو لا تُودّع.. واستقبل أمثالها دون أن تعيَ ما تُودّعُ وما تستقبل، فإنّها نفائس حياتك وعمرك.. فقطار أيّامك ماض بعملك شئت أم أبيت.. فأقبل على ما ينفعك.. ولا تشغل نفسك بهذه الغفلات والترّهات والأباطيل، وضياع العمر باللهو والعبث، وما لا يرضي الله.. فعمّا قليل ينزل بك داعي الرحيل، فلا تستطيع التأخير.. فالبدار! البدار! فلا قرار لنا في هذه الدار..
وإنّ مرور عام، ودخول عام جديد مدعاة لوقفة حساب للنفس صادقة، وشحذ للهمّة والعزيمة، للحياة مع الله تعالى حياة الحبّ والذكر، والرضا وطمأنينة القلب..
فإيّاك أخي الحبيب ثمّ إيّاك! من الغوص في مُستنقع الغفلات، وافتتاح العام الجديد بالمَعاصي والسيّئات.. اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنا فِي عامنا الجديد، وبَارِكْ لَنا فِي أَعْمَارِنا وَأَعْمَالِنا، وَبَارِكْ لَنا فِي سَاعَاتِنا وَأَوْقَاتِنا، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامِنَا وَأَسْعَدَهَا يَوْمَ لِقَائِكَ. وَبَارِكْ لَنا فِيما وهبتنا، وقنا عذاب النار..
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




خواطر مع دخول العام الجديد 2026 م
حساب آخر السنة.. بين التعقُّل والفتنة!
من المحراب إلى الطمأنينة: قصة ابنة عمران في القرآن
تمييز وتبيين: بين لكم دينكم ولِيَ دين
هل تعبّر هوّية الـنّصوص عن هويّتنا في مناهجنا الدّراسيّة؟