بعيدًا عن السياسة….قد بلغت الأربعين
كتب بواسطة إحسان الفقيه
التاريخ:
فى : بوح الخاطر
1227 مشاهدة

كتعاقُبِ الفصول أعيش فصلًا يسمونه الأربعين، لَطَالما فررتُ منه قبل الحلول، لكن خطَّ الزمان لا ينحني للوراء، ومع ذلك لم أرَ نفسي تلك الأنثى التي تتهددها كلمات “نزار”:
وأعرف أنك في الأربعين
ستُقطع عنك مياه المطر
وأعرف أنك في آخر الشهر
سوف تكونين حقلًا بغير ثمر
وأنك في آخر الليل
سوف تكونين ليلًا بغير قمر
وأنك سوف تجوبين كل مقاهي الرصيف
بغير جواز سفر
لم ألتفت لتلك الحالة من الضياع المُحتمل، إذ أرعيتُ سمعي لآي الكتاب {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}، فألفيْتُ المقامَ مقامَ الأشُدّ، وموطن النضج والجد، بعيدًا عن اعتبارها أزمة منتصف العمر، وبعيدًا عن الخضوع لهيستيريا التغيرات السيكولوجية والدخول في فترة مراهقة أخرى.
لكنها مرحلة يرافقها الكثير من المعاني المُتدفقة والخواطر التي تتزاحم في العقل ولا تكف عن التردد بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ها قد بلغتُ الأربعين، ووضعت رحالي على أبواب مرحلة هي الأكثر غرابة وإثارة، حيث تشعر أنك في حياة برزخية بين تفاصيل الماضي بقوته وعنفوانه ووعورةِ تضاريسه بل وعبثه وصبيانيّته، وبين مستقبل يرقبك في وقار، ويطالبك بأن تكون أكثر نضجًا، ويفتح أمامك كشف حساب لما مضى، فتقف أمامه كتلميذ بليد.
بلغت الأربعين بغتة، فوجدتني كمسلمة أتساءل: ماذا قدمت لحياتي الأبدية التي أوقن بأنها المآل والمصير؟ فلم تعد نظرتي إلى الشعرات البيض المتناثرة بذات السطحية، بل أراها ناقوسًا يدق على رأسي، ورسولًا ينذر بدنو الأجل، ولم أُفلت من تقريع أحد سادة القرون المفضلة يقول: “إنما أنت أيام مجموعة، كلما مضى يومٌ مضى بعضك”، فما الذي تبقى مني والظن بالسنين أنها لن تكون بقدر ما مضى؟ لكنّ جناح الرجاء الذي يمنحني الاتزان قد أتاني بالمخرج على لسان سيدٍ آخر: ” تُحسن فيما بقي، يُغفر لك ما مضى وما بقي”.
بلغت الأربعين والذكريات مع العائلة قد تدفقت كشلالات “نياجرا” في كياني، الحنين إلى رائحة الخبز في البكور، إلى مائدة الإفطار التي اجتمعت عليها قلوب قبل أجساد، إلى الاستدفاء تحت إبط الجد الحنون فأشتم فيها رائحة السنين، إلى التحلّق في المساء للاستماع إلى نشرة الأخبار المنزلية وفنون الدعابة.
وبعدما حملتني أحلام صباي إلى المدينة، واستبد بي الطموح في عالم الحروف، كنت حديثة عهدٍ بحياة العائلة، فلم أجد ذلك الوجْد للذكريات بسبب سطوة زخارف العالم الجديد، أمَا وقد انسلّت الأعوام، وودعتُ الشباب إلى الكهولة هدأت الثورة، وحانت مني التفاتة حزينة إلى العائلة، وعلمت كم فقدت من كنزٍ لا أعدل به سواه.
بلغت الأربعين وأنا أنظر بابتسامة باهتة إلى قلمي المتهور، كم كان متسرعًا كحال مراهقٍ يستقبل نظرة الفتاة الأولى فيتعجل قصيدة غزلٍ لا وزن فيها ولا قافية ولا دراية ببحور الشعر، وكم أوقعني في الخجل وأدخلني في دائرة الصراع بين نفسي ونفسي، لكنني اليوم أراني أستحي من جهالة تتلبّس بقلمي، وقد دُعي أحدهم إلى لهو كان يساعد عليه، فقال: “دخلت في حد الأربعين، فما بقي فيّ على الجهل مساعد”، وأنا كذلك لم يبقَ فيّ على الجهل مساعد.
أكاد أنفجر ضحكًا وأنا أتذكر فترة طفولتي الإعلامية، عندما حبست نفسي في دائرة المقارنة بين الإخوان والسلفيين والجهاديين لأرى أيُّهم على الحق لأتخندق معه، لكن سرعان ما تسلل إلى الرشد، فأدركت أن العالم أوسع من تلك الرايات الجزئية، وأنه ليس علي الاختيار بل ولا الانتماء، أيقنت أنه ليس هناك في البشر ملائكة خُلّص ولا شياطين خُلّص، وأن التقارب يكون بحسب ما لديهم من حق، والدفاع عن مظلومهم واجب، ونقدهم حال الخطأ عين الصواب، كما هو الحال مع غيرهم، وكفاني انتمائي لأمتي دون وسيط، أنا لها كما قال دريد بن الصمة:
وَهَلْ أنَا إلا مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ … غَوَيْتُ وَإنْ تَرْشُدْ غَزيَّةُ أرْشُدِ
ربما كانت عاصفة الحزم التي راهنت عليها حدثًا فارقًا في حياتي، بعدما تحولت فجأة إلى التخندق مع آل سعود بعد طول شقاق، وذلك عندما تراقصت أمامي الأحلام بعهد الملك الجديد، وغفلت عن السياق المُتشابك، ثم تحولت الأحلام إلى هباءٍ منثور، لكنني أدركت بعد أربعة عقود مضت أنه لا ينبغي لي أن أحب جملة أو أكره جملة، وألا أرمي بهلب السفينة في عمق الصحراء، لقد كانت القاعدة ماثلة دائمًا لكنني لم ألتفت إليها، قاعدة نبوية (أَحْبِبْ حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأَبْغِضْ بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما).
الحياة ما هي إلا أوراق، بعضها فرغنا من قراءته والآخر في الانتظار، ربما كان الفصل الأجمل من حكايتي لم يأت بعد، ذات يومٍ كان جواهر لال نهرو يختم كتابةَ سيرتِه الذاتية قبل 12 عامًا من استقلال الهند، فذيلها بقوله: ” إنني أشعر أن فصلًا من حياتي قد انتهى، وأن فصلًا على وشك البدء، ترى ماذا سيحوي هذا الفصل؟ لا أحد يتنبأ به، فإن أوراق الحياة القادمة مختومة”، لكن الأوراق التي أتت لاحقًا في حياته كانت تحمل له نبأ تنصيبه رئيسا للوزراء، ولا زال في أوج بروزه السياسي يشعر أن فصولًا أخرى من كتابه لم تُفتح ولم تتقلب صفحاتها بعد.
أمَا وقد بلغت الأربعين فإنّ الهمَّ يتّجِه لأن يكون القادم أفضل، وألا تكون الأنفاس المتبقية لي على ظهر الأرض استنساخًا لمشاهد الماضي، ربما سبقني إلى التزين بهذه الحقيقة الملاكم الأمريكي المسلم الراحل “محمد علي كلاي” عندما قال: “إذا كنت أقول اليوم وأنا في الأربعين ما كنت أقوله وأنا ابن العشرين، فمعنى ذلك أني ضيعت عشرين من عمري دون جدوى”.
ليس كل ما مضى من حياتي قاتمًا، فأكثر ما حمدته من مسلكي أن المواقف ليست هي المبادئ، والثبات على المبدأ لا يُحتّم الثبات على المواقف، وإلا فهو سكون الجسم الميت، وهو ما أرجو أن أظل على عهد القيام به، سأظل دائمًا أُبقي على خط الرجعة بلا استنكاف. وبعد رحلة طويلة وجدت نفسي أُمثل حالة سوء فهم، ربما أبدو للكثيرين متناقضة بسبب تغير مواقفي، أو ربما باندفاعي العاطفي في التناول أحيانًا، وربما تقولون بأنني كاتبة أحدثتْ جلبة، لكنني أعرف من نفسي الرغبة في أن أُحدث فارقًا، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
المصدر : موقع الكاتبة إحسان الفقيه
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث