من إعجاز الإسلام في سبق الإعلام

يعدّ الإعلام وجهًا مشرقًا من وجوه الوصول إلى الحقيقة في سائر المعارف، وشتى ألوان الفنون، والتي يمكن معرفتها ومن ثم تمييز الغث والسمين منها.
ونحن بصدد الحديث هنا عن جانب واحد من جوانب الإعلام، في نمطه الحديث، ألا وهو جانب المعلوماتية الرقمية؛ والتي تسنّى للإنسان من خلالها أن يختصر بحورًا من المعارف، والعلوم المختلفة ويدمجها في قرص نحاسي صغير الحجم، استعيض به عن مخزون ورقي أو معدني، كان مصدرًا لتلك العلوم قبل عشرات من السنين ويمكن حصر أثر هذا السبق الإعلامي الحديث في خمسة أشياء (السرعة في النقل، الحفظ، الأمانة في السرد، معرفة مفتاح الدخول، وضع الرموز والأبواب والمصطلحات).
وقد ترك عصر المعلوماتية الحديثة بصماته القياسية في سرعة النقل للأحداث المختلفة، بما يشبه البرق مكتوبًا أو مسموعًا أو منظورًا.
وقد تقدّم الإسلام في هذا السبق الإعلامي المتميّز، من حيث السرعة القصوى في عصر الصحراء، والجمال؛ حيث لا أثر يُذكر لأي مَعلم من معالم الاتصال غير الحمام الزاجل، وحيث أنه كانت لا تتصل الأرض بالسماء إلا برذاذ الماء الهاطل على الرمال الملتهبة بحرارتها، فقد هبط وحي السماء بواسطة الأمين جبريل عليه السلام ليصل الأرض في طرفة عين، وينقل أول استماع إعلامي مباشر، وكان أول كلمة فيه هي (إقرأ) وكأنه يختصر علوم الأرض كلها بها.
ولما كان العلم وكانت المعرفة تحتاجان إلى الحفظ، والصون، خوفًا من الضياع، فإن من أثر النمط العلمي الرقمي الحديث أن اعتمد على ذاكرة من نحاس، توضع في الحاسوب الكبير، أو الهاتف المحمول الصغير، وإذا ما تلفت هذه الذاكرة ضاع معها كل المحتوى المخزون؛ وقد تقدم الإسلام في هذا السبق الإعلامي، لعشرة قرون ونيّف مضت.
عندما حفظ اللّه ما أقرأه لنبيه عليه الصلاة والسلام بالوحي في قلبه فلا ينساه أبدًا, قال تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ}، مع التذكير أنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب. ومن ثم حفظ اللّه تعالى كتابه المنزّل كله في قلب نبيّه صلى اللّه عليه وسلم، والذين اتبعوه، وبين دفتي كتاب لا تمسّه يد التحريف والتبديل أبدًا، قال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، ومن معنى كلمة لحافظون في الآية الحفظ في قلوب المؤمنين كما الحفظ المنثور في كل مكان ودور.
ولما كانت السنة النبوية شقيقة القرآن، ووحي من اللّه الرحمن لنبيه المصطفى العدنان عليه الصلاة والسلام، فإن الإسلام حفظ الأثر النبوي كله، وقيّض من ينقله ويدوّنه بصدق وأمانة، ويرتّب منازله بين الصحيح والضعيف والموضوع؛ وهو ما نصل به إلى ما لا يمكن مقارنته بأمانة السرد في وسائل العلم الرقمي الحديث، حيث أن ما يحكم تلك الوسائل الموضوعة بأيدي البشر، وغالبهم من غير المسلمين، البحث عن الشهرة والمال؛ فدين اللّه منزّه عن كل ذلك؛ فلذا فإن الإسلام له سبقه على ما عداه من منتوجات علمية، رقمية، حديثة، في أمانة الحفظ لما تنقله وما تسرده.
وقد كان من نتاج المعلوماتية الرقمية الحديثة، أن وضعت الوصول إلى أي باب من أبواب العلوم مفتاحًا يمكن من خلاله الوصول إلى معلومة التي يريد أصحابها معرفتها، وتكون منفصلة عن مسماها ومحتواها عن غيرها. وهو بمثابة تنظيم وتبويب لكل معلومة على حدى، حتى يمكن عدم تشتت الأفكار والأذهان حولها.
وقد تقدم الإسلام في هذا السبق الإعلامي الحديث عندما وضع علماء الأمة مفاتيحًا ورموزًا، ومصطلحات لكل باب من أبواب العلوم الشرعية والمدنية. فكان للقرآن علومه ومفتاحه ورموزه، وللسنة كذلك، ولعلوم اللغة.. وسائر العلوم والفنون. وبعد ما قدمناه بإيجاز عن سبق الإسلام في خمسة أمور تعدّ أساس منهج العلم الحديث، في التقدم والعصرنة، يمكن لنا أن نضيف مما يتفرع عن تلك الأبواب، مضمون ما يحتويه هذا المخزون الرقمي، الهائل من قصص، وأخبار، وأحداث وسير أعلام بالتفصيل أو الإيجاز.
حيث أنه يمكن معرفة، كل ما هو واقعي، أو خيالي، بجرد أن تسأل عما تريد، معرفته، فتجده حاضر لديك وتحت ناظريك. وقد تقدم الإسلام في ذلك الإنجاز على الآلة الرقمية الحديثة، في مصادره المختلفة، ابتداء بكتاب اللّه العزيز الذي لا يحتمل أية شائبة في أية كلمة أو حركة أو سكون فيه، ولمّا كان سرد القصص والأخبار يحتاج إلى الموضوعية والثقة فيها، فقد جمعها الإسلام إلى أقصى ما يمكن من الصدق والأمانة، في النقل.
وكيف لا يكن الأمر كذلك، وهو كله من عند اللّه العليم الخبير، قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}، وقد سرد القرآن من أخبار الأمم السابقة ما فيه تفصيل يدخل في علم الغيب، حيث أخبر تعالى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم بكثير منها، ومنها تذكيره بما سبقه لقرون مضت عن خبر كفالة ورعاية السيدة مريم عليها السلام، ابنة عمران عليهما السلام، قال تعالى: {ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}.
وخبر أصحاب الفيل بصيغة الرؤية وكأنه مشاهد حاضر فيها قال تعالى: {ألَم ترَ كيف فعل ربُّك بأصحاب الفيل}، وجمع اللّه في سورة واحدة قصة نبي من أنبيائه وهو الصديق يوسف عليه عليه السلام، من رؤياه إلى ما أصابه به وابتلاه، إلى تمكينه في الأرض وبلوغه مرتبة العزيز، إلى أقصى مكانة، وإلى خبر نوح وسفينته وطوفانه، وإلى حديث موسى وعصاه وغرق فرعون وهلاك هامانه.
وإلى أخبار يوم الحشر وما يعيش البشر ويصيبهم ساعة إيذانه، إلى بعث الناس كلهم وتفصيل الحساب لهم، ونصبه سبحانه لعدله وميزانه.. وحفل التاريخ الإسلامي المحفوظ في أمهات بطون الكتب بما لا يمكن لحاسوب رقمي أن يصل إلى أدنى تفاصيل مضمونه وبيانه.
وبعد، فنكون بما قدمناه، قد وقفنا على الفيض القليل، والنذر اليسير مما يمكن المقارنة فيه بين السبق الإعلامي الرقمي الحديث في جانبه المعلوماتي وبين تقدم الإسلام عليه منذ قرون خلت.
وأن على هذه الأمة أن تقدم للعالم أنموذجها في السبق الإعلامي المستمد من عند رب العالمين، حيث لا يعد للزمان ولا للمكان اعتبارًا يذكر، وينبغي الاستفادة من هذا العلم المستحدث بجوانبه الصالحة ومقاصده النافعة للإنسانية، بعيدًا عن أهواء ونزوات الذين هم روّاد في تسخير مقدراتهم للتدمير والتخريب، لا للإصلاح والتعمير.
واللّه الهادي سواء السبيل والحمد للّه رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث