من مزايا الصيام.. أضواء وبيان
لقد انفرد شهر رمضان عن أشهر الله الباقية بمزايا فريدة لا نجدها إلّا فيه، وهذا من بعض منزلته التي أنزله الله إياها وفضَّله بها على باقي أشهر السنة. ولما كانت هذه المزايا أكبر من أن تقدَّر وأكثر من أن تحصى بمداد قلم بشري، فقد وفقنا الله للوقوف بجانب منها، وقد وجدناه في ستة منها، نذكرها بترتيب الكلام.
الميزة الأولى: الصبر، وقد جمع الله في آية واحدة الصبر والصلاة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا استعينوا بالصبر والصلاة}، حيث ذهب بعض أهل التفسير إلى القول إن المراد بالصبر هنا الصوم. وكيف لا يكون القول كذلك، وقد تحقق فيه - أي الصوم - نصفه ونصفه الباقي الإيمان؟ ومن استوفاهما معًا فقد استوفى الإيمان كله. وحقيقة الصبر في الصوم تأتي في وجهه العملي، وهو الصوم، حيث تتنازع الرغبات بين الجسد والروح، وتكون على أشدها عندما يجسر العبد على منازعة رغبات جسده المتعطشة دوماً لكل ما لذَّ وطاب من شهوات البطن ومباحات الجسد الحلال. ولا يمكن تحقق الانتصار هنا وبلوغ مرمى الهدف إلّا بملكه الصبر. ومن يملكها فقد مَلَكَ أمرَه وبلغ عُلُوَّ الروح على الجسد منتهاه.
ومن طبيعة الجسد أنه يُنازع الروح في سعيها إلى الارتفاع بصاحبها بمجاهدة النفس ومغالبتها، ويريد أن يخلد بصاحبه إلى الأدنى لا إلى الأعلى، ولا يمكنه أن يستعمل سلاحًا ماضيًا وسيفًا قاطعًا إلّا الصبر، حيث إن الصوم هو واحد من أمضى تلك الأسلحة وأشدها أثرًا، لأنه يعود صاحبه على الامتناع عما تطيب للنفس طلبه، ولا تجد راحتها إلا في تناوله كلما سنحت لها فرصة، وحيثما بلغت الرغبة نهمها فيه.
الميزة الثانية: إن للصوم أثره العظيم في إحياء روح المراقبة بين العبد وربه، ولا يجده العبد إلا فيه. ومما يعزز هذا القول ما جاء في الحديث القدسي عن رب العزة: 'كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به'. وملخَّص شرح القول في ذلك أن باقي العبادات كالصلاة والزكاة والحج للناس مشاركة فيها بالمشاهدة بأقل التقدير في ذلك، وأما الصيام فمن خصوصيته أنه يمكن إظهار ما يخالف حقيقة فعل صاحبه، ولا يمكن للناس أن تملك ما غاب عنها تيقنه، فيكون بذلك صاحب الفعل منفردًا فيما بينه وبين ربه في صدق أو فعل ما قام به. ومن حقق الصوم فيه هذه الملكة ملكة المراقبة والمحاسبة فقد بلغ درجة الإحسان، وهي ما فسرها حديث جبريل حيث كان فيه: '... قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك'.
ولو تحقق أثر تلك الميزة التي يحققها الصوم لتندرج على باقي الأعمال لفعلت الأفعال من التغيير نحو الأفضل والتبديل.
الميزة الثالثة: إن من خصائص هذا الشهر الكريم أنه شهر القرآن، وهما توأمان. ودليل ذلك أن الله خصهما بالذكر معًا في النص القرآني في قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن}. فمنزلتهما كل منهما بمنزلة ما فيه ومن معه، وخصَّ ليلة منه هي خير من ألف شهر، قصدت بها ليلة القدر، وابتدأ القول بها في السورة بنزول القرآن فيها لقوله تعالى: {إنّا أنزلناه في ليلة القدر}. وإذا كان شرف البلد بشرف ساكنيه، فأي شرف أعظم مما جمع الله ذكره بشهر القرآن في ليلة اجتمع فيها خيرهما معًا.
والمراد من الميزة التي ذكرناها الاغتنام والنهل الغزير من معين القرآن، مقتديًا برسول الأنبياء بدر التمام محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان يقبل على كتاب ربه بكليته منفردًا أو مشاركًا ومدارسا له أمين الوحي جبريل عليه السلام. وكما جاء في الحديث الشريف الذي رواه ابن عباس رضي الله عنهما: 'كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن'.
وعلى أهل الصيام أن يغتنموا القرآن في شهر القرآن، فيجمعوا عبادته تلاوة وحفظًا وسماعًا جنبًا إلى جنب مع الصلاة والقيام. وذلك يعني الكثير، فللصوم مأدبته وفرحة من صامه للحديث الصحيح: 'لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِندَ صَوْمِهِ، وَفَرْحَةٌ عِندَ لِقَاءِ رَبِّهِ'. وللقرآن، وهو مأدبة الله، حقه في أن ينضم إلى مأدبة الصيام، فيجتمع شرف الصوم مع شرف القرآن. ومما يتحسر له وعليه معًا أن هناك هجرًا للقرآن حتى في شهره العظيم أو تقصيرًا بحق تلاوته. ومن معاني قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ}، أن يؤتى حقه في أفضل أيام حصاده في شهر رمضان الكريم.
الميزة الرابعة: إن للصوم أثره الكبير في إحياء روح المشاركة الإيمانية والوجدانية ما بين المسلمين. فكما ينبغي أن يتشارك أهل الإيمان في عباداتهم، ينبغي لمن ملك المال والذهب أن يشارك الفقراء واليتامى والمساكين في محروميتهم، وليس أفضل من الصوم تجسيدًا لهذا الإحساس الإيماني من جانبين: الأول، إحساس الحرمان مع من يعشه طوال العام بالصيام، والثاني، الصدقة في مكانها وزمانها الصحيح. حيث إن لرسولنا الكريم الباع الأكبر في ذلك، فقد أحسنت الوصف أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها عندما قالت عنه: 'كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، كان أجود من الريح المرسلة'. وإذا لم يصل أحد منا إلى ما وصله رسول الله عليه الصلاة والسلام في مدى إنفاقه العظيم، فليصل إلى بعض منه، ولينفق متأسيا بما أوصى به رسولنا بلال رضي الله عنه عندما دخل عليه يومًا وعنده صبرة من تمر بضم الميم فقال: ما هذا يا بلال؟ قال: شيء ادخرته لِغَد. فقال: أما تخشى أن ترى له بخارا في نار جهنم يوم القيامة؟ أنفقْ، بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالًا.
فإذا كان ذلك على بضع من التمرات يصيب صاحبه كل هذه الجمرات، فما بال الأغنياء والمترفين يكنزون الأموال ويحرمون الجياع من زكاة أموالهم، فضلا عن الصدقات التي هي في رمضان متقدمة على كل شهور وأيام السنة في المنزلة والثواب على السواء. فمن آمن بفرضية الصيام وأداها ومنع حق من يحتاجه من الصدقات بماله، كان كمن ينزل الماء في غرباله، لا هو يحفظه حيث ينزل ولا هو ينتفع منه مع عياله.
الميزة الخامسة: الاستفادة إلى أقصى الحدود من نظام الصيام الصحي الذي جمع رسولنا حقيقة ثماره في كلمتين من جوامع الكلم، فقال: 'صوموا تصحوا'. وهل الجسد يحتاج إلى الامتناع ساعات طوال عن الطعام والشراب، فيكون ذلك صحة له وعافية؟ والجواب قطعًا: نعم. فالعلم القديم والحديث أثبت أن أكثر ما يفسد البدن إدخال الطعام على الطعام، وأنه ليس شرًا على المرء من معدته، وهو من خير هدي النبوة في الاعتدال في الأكل. والصيام عبادة أولًا، ومن فوائد تلك العبادة ومنافعها الكثيرة منفعة الأبدان وصرف الأسقام عنها. ومن لا يصدق فليقل لنا: ما هو أول دواء يطلبه الطبيب من مريضه؟ إنه يقول له: بالامتناع عن كيت وكيت من الطعام، مع أخذه للدواء. ولوان هذا المريض أخذ دواءه وبقي على شراهته ونهمه مما يأكل ويشرب، لما بلغ الشفاء لبدنه حقيقته المرجوة.
الميزة السادسة: إننا نعيش في أرض الرباط عمومًا وفي فلسطين وغزة هاشم على الخصوص ما يمكن أن نسميه بالصوم الأكبر، حيث إنه لأكثر من ثلاثة أعوام يرزح الأطفال والشيوخ والنساء تحت نير ظلم العدو اليهودي الغاشم، ويشاركه أهل الشرك من الكفار ومن أهل النفاق من جلدتنا، يشاركونه ظلمه وعدوانه بكل الأشكال المادية والمعنوية. وقد مرَّ على القوم أن صاموا صومًا طويلاً وما زالوا. وإذا ما كان الصوم يعني لنا أول ما يعني تحقق الغاية منه في قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فأي تقوى، بل أي بلاء ابتلينا به بهذا الصمت المريب وهذا النأي العجيب في مشاركة إخواننا بما قد أصابهم في النفس والأهل والمال والولد، وهم في جهاد يحسدون عليه، وفي صبر تنوء من حمله الجبال الرواسي الشامخات.
إنّ أقل ما ينبغي فعله هو أن يتعذّر أكبر من ذلك، وهو أن يكون رمضان أكبر دافع له لتتواصل الأرواح العالية مع الأجساد الواهية، فتصل بها إلى أعلى درجات السموّ الملكي بمراتب إيمانية زاهية بالمواساة لأصحابها، وتقول: ها أنا هنا، أنا وأنت، حتى يقضي الله لنا بالنصر أو الشهادة في حواصل طير خضر في ربوع الجنة تروح وتبقى جاثية.
والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




من مزايا الصيام.. أضواء وبيان
فضائح إبستين في ضوء الشريعة الإسلامية – قراءة أخلاقية وقِيَمِيَّة
أهمية الوعي حول تأثيرات الأفلام الكرتونية
كتاب 'صراع الدول الأوروبية على فلسطين في القرن التاسع عشر'
لماذا أتحجَّب؟