٥ دروس علمتني إياها الحياة
كتب بواسطة كريم الشاذلي
التاريخ:
فى : المقالات العامة
2892 مشاهدة

الدرس الأول: قليلة هي معارك الحياة الصفرية
المراهق دائماً ما يتعامل مع الأمور بمنطق أكون أو لا أكون، حدي النظرة، عنيف في تبني الآراء، والحياة تقسوا كثيراً على المراهقين، لا تتورع عن تلقينهم الدرس تلو الآخر بشدة وعنف.
تعلمت الآن أن الحياة أكثر براحاً من أفكاري ومعتقداتي وما أؤمن به مهما بدا لي صحيحاً، ومعاركها تحتاج إلى المرونة والتفاوض أكثر مما تحتاج إلى التصادم المستمر، ومن يدخل معاركها بمبدأ "أكون أو لا أكون" في الغالب لن يكون!
أنا هنا لا أتحدث عن معارك إثبات الذات والطموح، بقدر ما أتحدث عن مجمل تصادماتها، الحياة تحتاج إلى تعلم فقه المرونة، وفضيلة الصمت، ومهارة التأمل، وغير قليل من أدبيات الاعتذار والتسامح والتراجع خطوة أو أكثر عن تقدم كنت تظنه صحيحاً وأثبتت الأيام غير ذلك.
الدرس الثاني: الحيرة طريقك للطمأنينة
لا تركن إلى الموروث مهما بدا لك آمناً، اتقن فن السؤال، كن مستفزاً ما أمكنك ذلك!
تعلمت أن الحياة لا تبوح بأسرارها لمن أغلق باب عقله عن فريضة التدبر، واحتمى بأرض المألوف ولم يهاجر إلى دروب الدنيا الواسعة ليفهم ويتأمل ويتدبر، الصدمة آتية لا محالة، غير أن صدماتك وصداماتك وأنت تبحث عن الأجوبة جهاد مبرور إياك أن تترفع عنه، ذلك أن البديل سيكون صدمات مزلزلة لأفكارك التي ظننت أنها خلاصة الحكمة، وسقوطك حينها سيكون مروعاً.
لا تحتمي بنصائح شيخ، ولا تطمئن لتجربة مفكر، ولا تقبل الوجبات الجاهزة، اصنع وجبتك بنفسك، ولا تخشى الخطأ والزلل، سل عن الله والناس والحياة، أعد طرح الأسئلة البديهية، وشكك في كل الإجابات الجاهزة، لقد خلقك الله حراً ووهبك عقلاً هو آية من آياته، صدقني تعطيله لحساب الآخرين هو كفر بأنعم الله عليك، ولن يوصلك أبدا إلى طمئنينتك المرتجاة، وهب أنك ودعت دنياك حائراً، وتركتها وأنت تسعى للوصول، أليس هذا بأفضل من راحة موهومة وسكون لم يفد الحياة بشيء.
كل الأفكار المبدعة، والتحديات الخلاقة، والتطور في هذه الحياة أتى من قبل الحائرين، الذين احترموا عقولهم وقرروا أن يخلخلوا أرضاً طالها بوار الكسل والتقليد، ونفثوا فيها من أرواحهم الوهاجة، فأخطأوا حيناً واصابوا أحياناً، وللاجتهاد أجر ولو كان خاطئاً.
الدرس الثالث: لا تبتئس لغلبة الشر
أنظر في كتب التاريخ، وسترى الحقيقة جلية، الشر على مر الزمان هو صاحب الكلمة العليا، والظلم خيم على دنيانا منذ الفجر الأول، قابيل وإن كان أول من خط سطراً في كتاب القهر إلا أنه لم يكن الأخير، إبراهيم أبو الأنبياء ألقي به في النار، ونوح احتمى بالسفينة، وموسى خرج بأهله خائفاً في ظلمة الليل، ولوط لم يجد له ركن آمن يحميه، ورأس يحيى تلاعبت بها بغي، ورأس الحسين لحقتها هي الأخرى، لحكمة أرادها الله ولا نعلمها أبناء قابيل يحكمون الأرض، والعدالة لم تسيطر على دنيانا إلا لحظات كسنا البرق، يقينا هناك ثمة حكمة، ربما هو تأكيد لمفهوم الاختبار في الدنيا، ربما هو التمحيص، لا بأس، ما أراه وأؤمن به الآن أن دوري في المعادلة هو ما يجب أن أشغل بالي به، ما الموقع الذي يجب أن أجد نفسي فيه، أي جيش سأنضم إليه، الحياة قصيرة مهما بدا لنا غير ذلك، ومقاومة الشر بكل أشكاله يجب أن يكون ديدن أهل الحق كل حسب طاقته وقدرته، لقد طلقت اليوتوبيا منذ زمن، لم أعد أحلم بأرض الميعاد، سيهبط الستار وأنا في أرض المعركة، كل ما يشغل بالي الآن أن أكون في المكان الصحيح يوم تنتهي الحكاية.
الدرس الرابع: اغتنم صفو الليالي
استمتع بالحياة قدر استطاعتك، ستضع حربك مإزرها لساعات فاغتنم من طيب لذتها، لو كنت مؤمناً بالنبي محمد فيسرني إخبارك أن حياته ـ على مشقتها ـ لم تخل من متعة صادقة بالحياة، وكل ما ثبت عنه في ذم الدنيا كان وفق معادلة مشروطة، وهو ألا تنغمس فيها فتطغى، وتنسيك هدفك الأسمى وغايتك الأهم.
دعك ممن يحاول إخبارك أن ربح الآخرة يستوجب خسارة الدنيا، فبعضهم يكذبك والأكثر موهوم.
أرتدي أجمل ثيابك، ضع أجمل عطورك، أطلق نظرك واستنشق من عبير الدنيا واملئ رئتيك جيداً، ليرى الله أثر نعمته عليك، ليس فقط في ملبسك وزينتك، وإنما في إقبالك على الدنيا، وحبك لها، والذي سينعكس على خلقه، أنثر السعادة بين الناس، فإنهم أضعف بكثير مما يظهرون، لا تؤجل متعة أنت قادر عليها فالدقائق التي تذهب لا تعود.
الدرس الخامس: العائلة تأتي أولاً
هذه كانت نصيحة الدون في فيلم "الأب الروحي"، وقد يصيب رجال العصابات أحيانا!
لا شيء في الدنيا يساوي راحة الانتماء، ولا انتماء يسبق أبدا انتماؤك لأسرتك، ووضعهم قبل أي شيء.
لأعترف، أنا لم أعرف هذا مبكراً، طموحاتي الشخصية قللت من انتمائي، وبحثي عن ذاتي ذهب بي بعيداً عنهم، غير أنه لا بأس من الحضور متأخراً ومحاولة تصحيح ما ذهلت عنه لزمن.
وأجزم أن غير قليل من ارتباكنا يأتي من غياب الانتماء، الأسرة وحدها هي القادرة على لملمة شتات روحك، أبناؤك هم من يجمعون ما تكسر منك في معركة الحياة، مخدعك الآمن لن يكون إلا في حضن زوجك، ولن تجد كراحتها طبيباً يداوي جرحك.
مؤسسة الأسرة اليوم في خطر داهم، ولعل هذا يفسر لنا حالة الاضطراب التي تخيم على دنيا الناس، إنهم لا يجدون الملجأ الذي يستريحون فيه، فيخرجون علينا كل يوم بأرواح أنهكها الأنين، ووجع لا يعرفون له سببا.
الساعات التي تقضيها في بيتك ليست وقتاً ضائعاً، كل كلمة، وابتسامة، وتوجيه، ومشاكسة قادرين على ملء حياتك بالتفاصيل المبهجة، ونشر الدفء والمودة، ومن ثم الشعور بقيمتك الحقيقية، فقط جرب ان تنظر للأمور من هذه الزاوية.
هذه خمس دروس علمني إياها التأمل، شكلت لي قدراً لا باس به من الراحة الحقيقية، أأمل أن تجد فيها شيء يمكن أن يفيدك في مشوار حياتك.
كريم الشاذلي
المصدر : موقع إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث