د. فاطمة الزهراء دوقيه
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثاني عشر
أما اللبِنة الثالثة في التشكيل القرآني للعقل القويم وإصلاح التفكير، في إطار عمليَّته التزكويَّة للإنسان، فتتمثَّل في:
-ج- التحوُّل المنهجي: وهو المنبثِق عن التحولين السابقین (الاعتقادي والمعرفي)، ومعلوم ما للمنهج من دور خطير 'في حركة الإنسان الفكریة، والحضاریة عمومًا. ونعرف أنه دون 'منهج' فلیس ثمَّة طریق یوصل إلى الأهداف مهما بذل من جهد، وقدَّم من عطاء. والنقلة المنهجية التي أُتیح للعقل المسلم أن یتحقَّق بها، أن یتشكَّل وَفق مقولاتها ومعطیاتها، امتدت باتجاهات ثلاثة: السببیة، القانون التاریخي، منهج البحث الحسي (التجریبي)' [خليل، مدخل إلى الحضارة الإسلامية، ص 26].
-١- السببية: وهي من أكبر قوانين الوجود؛ إذ نستنتج من القرآن أن كلَّ شيء حدث أو يحدث أو سيحدث له سبب. ويسعى من خلال تأكيده على هذا القانون إلى هدم تلك العقلیة التبسیطیة التي تجعل الإنسان يحكم على الأحداث والظواهر بطريقة بسيطة؛ كما لو كانت معزولة منفصلًا بعضها عن بعض؛ لا ارتباطات بينها ولا علائق، ليصوغ في المقابل عقلية ذات رؤية تركیبیة تنظر للكون والوجود بطريقة تربط بین الأسباب والمسببات، بین الظواهر والأشياء أينما حل ونزل، ووقع الفكر والنظر.
ففي ساحات الآفاق مثلًا نتلو مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام:٩٩)؛ حيث يخبر أنه بسبب الماء النازل من السماء، يخرج 'غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش وأرزاق بني آدم وأقواتهم، ما يتغذون به ويأكلونه فينبتُون عليه وينمون' [الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ج٣، ص 312]، وفي نفس الآن يسثير العقل للنظر والتفكر انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ﴾، لإدراك السنن الجارية والمعاني المقصودة. فنراه يستخدم هذه السببية أداةً أساسيةً یسوقها للعقل، ليصل إلى معرفة الله تعالى والإيمان به وتوحیده، ذلك أن 'النظر في المسببات- المخلوقات والمصنوعات- طریق إسلامي لمعرفة السبب الموجد لها، سبحانه وتعالى، الأمر الذي يشهد على قیام السببیة وعلو مقامها في الاستدلال الإسلامي، والاهتداء إلى السبب هو الطریق الآمن لبلوغ الغایات والمسبَّبَات' [عمارة، معالم المنهج الإسلامي، ص 42].
لا شك أن المغزى من وراء ترسيخ مبدإ السببیة، أن يكون من بداهات العقل المسلم، وجزءًا أساسًا من بنائه الفكري، وتقلیدًا عقلیًا سائدًا، لیصير جزءًا من تفكیر الإنسان في میدان سعیه، وأداء مختلف مسؤولیاته؛ فلا يتم له أداء رسالته في الحیاة إلا من خلال الأسباب، والسعي بمقتضاها، فـ'على أساس منها یتم بناء العقل وإدراكه ومنطقه في التعامل مع الحیاة والكائنات، وأنه دونها تنتفي مسؤولیة الإنسان، وینقطع أداؤه، ویعجز عقله، وینعدم إدراكه' [أبو سليمان، أزمة العقل المسلم، ص 152].
-٢- السُّننية التاریخية: من المواد الكبرى في التربية العقلية القرآنية، علم السنن الإلهية عمومًا، والسُّنن التاريخية خصوصًا؛ فحين يقص القرآن القصص وتاريخ الأمم الخالية، فلا يقصدها لذاتها، وإنما لیطرح من خلالها قضية السُّنن والقوانين التي تحكم حركة التاریخ وسیرة المجتمعات، وأنها مطردةٌ وثابتةٌ لا تتبدَّل ولا تتحوَّل: ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِی ٱلَّذِینَ خَلَوا مِن قَبل وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبدِیلًا﴾ (الأحزاب:٦٢). لذلك نلفاه یحض على السير في الأرض لاكتشافها لتحقيق الاعتبار: ﴿قَد خَلَت مِن قَبلِكُم سُنَنٌ فَسِیرُوا فِی ٱلأَرضِ فَٱنظُرُوا كَیفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلمُكَذِّبِینَ﴾ (آل عمران:١٣٧).
إنه المنهج السنني في التعامل مع التاريخ ودراسته، الذي يشكل به القرآن العقل البشري، وهو ما يطلق عليه حديثًا بفلسفة التاريخ، الذي يقوم على اكتشاف القوانين الموجهة لحركة المجتمعات والنهضات وأسباب صعودها وهبوطها، وكذا بيان كيفية توظيفها لمعالجة الواقع، واستشراف المستقبل [جاسم سلطان، فلسفة التاريخ، ص٢١-٢٢].
والقرآن في طريقة معالجته للسنن في سياق إصلاح العقل، یقدم عمومیات ومواقف، لیبلور في الأخير مفهومًا علمیًا لسنن التاریخ؛ فنراه یبینها 'بأشكال مختلفة وبأسالیب متعددة في عدد كثیر من الآيات: بینت على مستوى إعطاء نفس هذا المفهوم بالنحو الكلي، وبینت هذه الحقیقة في آیات أخرى على مستوى عرض هذه القوانین، وبیان مصادیق ونماذج وأمثلة لها، وكیف تتحكم في المسیرة التاریخیة للإنسان، وبینت في سیاق آخر، على نحو تمتزج فیه النظریة بتطبيقاتها امتزاج المفهوم بالمصداق، وفي آیات أخرى حصل الحث الأكيد على الاستفادة من الحوادث الماضیة، وشحذ الهمم لإيجاد عملیة استقراء للتاریخ، وعملیة الاستقراء للحوادث كما تعلمون، هي عملیة علمیة بطبیعتها، ترید أن تفتش عن سنة وقانون، وإلا فلا معنى للاستقراء من دون افتراض سنة أو قانون'[الصدر، السنن التاريخية في القرآن، ص٥٢].
-ج- الحسية التجریبية: التي تعد من أهم لبنات القرآن وأبرزها في إصلاحه للعقل منهجيا، يحقق به أعظم كسب للعقل البشري؛ إذ يدعو 'الناس إلى التبصر بحقیقة وجودهم، وارتباطاتهم الكونیة عن طریق 'النظر الحسي' إلى ما حولهم، ابتداء من مواقع أقدامهم وانتهاء بآفاق النفس والكون، وأعطى للحواس مسؤولیتها الكبیرة عن كل خطوة یخطوها الإنسان المسلم في مجال البحث والنظر والتأمل والمعرفة والتجریب' [خليل، مدخل إلى الحضارة الإسلامية، ص٣١].
لقد جعل الله تعالى الحواس منافذ العلم والمعرفة، إقدارًا للإنسان على التعرف على ما حوله وما يحيط به وإدراكه والتفاعل معه، لولاها لما حصل اتصال العقل بالواقع المادي المحسوس، وبالتالي لا خبرات ولا معارف، ولا تقدم علمي، يقول سبحانه: ﴿وَٱللَّهُ أَخرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُم لَا تَعلَمُونَ شَیئا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمعَ وَٱلأَبصَـٰرَ وَٱلأَفْـِٔدَةَ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ﴾ (النحل:٧٨)؛ أي 'وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به، من شكر المنعم وعبادته، والقيام بحقوقه، والترقي إلى ما يسعدكم' [الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، ص٥٨٠].
إنه يحض على استخدام هذه الأدوات، فيدعو إلى المشاهدة والنظر: ﴿أَفَلاَ یَنظُرُونَ إِلَى الإبِلِ كَیْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَیْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَیْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأْرْضِ كَیْفَ سُطِحَتْ﴾ (الغاشیة:17- 20)، وإلى السمع: ﴿أَوَلَم یَهدِ لَهُم كَم أَهلَكنَا مِن قَبلِهِم مِّنَ ٱلقُرُونِ یَمشُونَ فِی مَسَـٰكِنِهِم إِنَّ فِی ذَ لِكَ لَـَٔایَـٰتٍ أَفَلَا یَسمَعُونَ﴾ (السجدة:٢٦)، مع التنبيه إلى مسؤولية الإنسان وتحمله العواقب: ﴿وَلا تَقفُ ما لَیسَ لَكَ بِهِ عِلمٌ إِنَّ السَّمعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنهُ مَسئولًا﴾ (الإسراء:٣٦).
وبهذا، نجد أن القرآن يشكل العقل المسلم على المنهج العلمي في البحث في مختلف حقول العلم والمعرفة بالاعتماد على التجربة والمشاهدة، التي تستعمل فيها الحواس. [طبارة، روح الدين الإسلامي، ص 274].
وهكذا، تعرفنا على جملة التشكيلات والبناءات التي يصلح بها القرآن العقلَ وينمي الفكر، تشكل المعالمَ الكبرى لمنهجه في تزكية الإنسان وإصلاحه عقلًا وفكرًا، دفعًا له إلى الفعل والعطاء والإبداع في رسالته الاستخلافية في الأرض، وهو المنهج الذي أثبت مصداقيته وفعاليته لما نُفِّذَ في ماضي هذه الأمة، فأخرج جيلًا فريدًا لم يشهد له التاريخ نظيرًا، وحضارةً إنسانية راشدة لم يعرف لها مثيلًا.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثاني عشر
خواطر مع دخول العام الجديد 2026 م
حساب آخر السنة.. بين التعقُّل والفتنة!
من المحراب إلى الطمأنينة: قصة ابنة عمران في القرآن
تمييز وتبيين: بين لكم دينكم ولِيَ دين