كاتبة
معاً تهون المصائب

لم يكن الوقت مناسباً .. أبداً لم يكن مناسباً, ولكن .. لابد لي من الكلام, فإلى متى تبقى تلك المسكينة غافلة عما سيحدث لها ؟
سأحدثها في أقرب فرصة .. لا بل اليوم .. فلم التأجيل والتسويف ؟ يجب أن تجد حلاً قبل أن يستفحل الأمر ويتطور, المسكينة ..ألا يكفيها ما هي فيه؟
بهذا حدثت أم عمر نفسها وهي تتهيأ لزيارة صديقة عمرها أم خالد في المشفى ..وانطلقت في طريقها وهي تردد ما عزمت عليه, حتى إذا وصلت الغرفة ورأتها قابعة إلى جوار ابنها الشاب "خالد" المسجى دون حراك, ماتت الكلمات على شفتيها, واكتفت بلمسات رقيقة على كتفها علها تخفف عنها بعض ما هي فيه.
قبل شهور سبعة تعرض خالد لحادث مروري ألقاه في غيبوبة طويلة, فلا هو حي يُرجى ولا هو ميت تُطلب له الرحمة ..وقبعت أمه إلى جواره صابرة محتسبة تتأمله بعين دامعة وقلب واجف, تدعو الله أن يرده لها من جديد, ولا تمل الدعاء .
وخلال هذه الشهور لم تتوانَ الأم عن الزيارة يومياً, فكانت تعد للعائلة بعض الطعام, وتكل العناية بالبيت والزوج والأولاد إلى ابنتها المراهقة, و تهرع إلى المشفى تقضي جل نهارها فيه إلى جوار الجسد الحبيب, تدلكه .. تحتضنه ..تقبله ..تهمس له بحبها وخوفها عليه, وتأمل ببارقة وعي – مجرد بارقة - تبدر منه وتعينها على مقاومة اليأس الفتاك .
سبعة شهور مرت ..ومازالت الأم تقبع إلى جوار السرير, لا تستجيب لنداء الممرضات -اللواتي لم يدخرن جهداً في العناية بالمريض- بأن تكتفي بزيارة قصيرة, ولا تأبه بملاحظات الزوج حول نحولها وذهولها, ولا تهتم بنصيحة الأهل والصديقات حول واجباتها تجاه عائلتها..
كل حياتها تعلقت بالملامح الجامدة والجسد المسجى دون حراك, وكل سمعها تركز في قرقرة أنبوبة الهواء, تضخه إلى القلب عله يوماً ينبض بمفرده ..لم تقطع الأمل بهذا وإن كانت قد قطعت كل الآمال الأخرى في الحياة, ولما واجهتها ابنتها المراهقة يوماً بالحقيقة المرة – بعد أن ضاقت ذرعاً بغياب الأم وأرهقتها المسؤولية – ( إنه لن يعود إلى الحياة ).. صفعتها.. ولأول مرة ..ولم تندم على ذلك !! فمن يجرؤ على القول بأنه ميت؟ وها هو أمامها .. طري دافئ كالنائم ينتظر فقط أن يفيق ؟ وحين يصحو يجب أن يكون وجهها أول ما يرى .
أم خالد - عنوان التضحية ومثال الحب الخالص المجرد - هل يكون هذا جزاؤها ؟
بهذا همست أم عمر لنفسها وهي تتأملها, وتهم بنطق الكلمات فتردعها نظرة الأسى المطلة من العينين المتعبتين, هل تخبرها ؟ وتزيد أساها وحزنها ؟ أم تسكت على كرهٍ منها, فيقع ما تخشاه.. وعندها ..ماذا يفيد الندم ؟ ..
همست لها : أم خالد .. ردت دون أن ترفع عينيها عن الجسد الحبيب : ماذا ؟
- أم خالد .. ارحمي نفسك و..
وألجمتها نظرة العتب المطلة من العينين المرهقتين .. لا .. لا يمكنها فعل ذلك بها, فلتسمع من غيرها .. ولكن لا .. ما من أحد أقرب إليها مني , فلأكن أنا إذن ..وليعينني الله.
همست ثانية : أم خالد .. زوجك وأولادك بحاجة إليك .
ردت : هو أحوج إليّ منهم .
- لكنهم يعانون من بعدك عنهم.. زوجك خاصة..
رفعت إليها البصر وسألت : هل شكا لكم ؟
- لا .. ولكنه رجل وهو..
- هو ماذا ؟ أليس ولده هو الآخر؟ ألا يحترق قلبه لمرآه هكذا ؟
- صحيح .. ولكن الحياة يجب أن تستمر, وأنت مؤمنة صابرة ..
- وهل فعلت ما يناقض الإيمان أو الصبر ؟
- بصراحة نعم, فأنت تهملين بيتك وأولادك و..
- لديهم أختهم ترعاهم
- وزوجك ؟ إنه لا يراك إلا هنا ..حين زيارته لابنه, ولا بد أنه ضاق ذرعاً بهذا الوضع, ولعله ..
أدركت ما ترمي إليه فهتفت فوراً : فليتزوج إذن .
- هكذا ؟ بكل بساطة ؟
- إن كان قلبه يطاوعه وابنه هكذا .. لن أمانع
- أم خالد؟! أنت تدفعينه دفعاً لذلك .. الرجل يعاني كما تعانين, ويحتاج للمسة الرفيقة و..
- وأنا ما عدت أصلح زوجة ..
- يا أختي هي محنة تمران بها معاً, وكلاكما بحاجة إلى الآخر لتجاوزها بإذن الله ..
وصمتت أم خالد وبقي بصرها معلقاً بالجسد الممدد, حتى يئست الصديقة فصمتت هي الأخرى على مضض.
بعد أيام.. هرعت الأم كعادتها إلى غرفة الحبيب, دقات قلبها تسابق خطواتها, فمع مولد كل صباح يشرق أمل جديد, فتحت الباب لتفاجأ بالطبيب ينزع الأجهزة عن الجسد المسجى..توقف قلبها مع توقف خطواتها, واستندت إلى ذراع الزوج القريبة الممدودة, وفاضت عيناها بالدمع وهي تشهق باكية دون رنة حزن أو عويل..ثم تقدمت من السرير بخطوات واجفة, وتأملت الوجه المبتسم ..لكأنه الآن حي !! بل هو حي.. ورفعت نظرات متسائلة إلى الطبيب.. فهمس مواسياً : ارتاح أخيراً ..
دارت بها الغرفة فاتكأت على الفراش, ثم تحاملت على نفسها واحتضنت الوجه المطمئن بين كفيها ومسته بشفتيها, ما زال دافئاً .. احتضنته بذراعيها وشهقت : آآآآه يا رب .. فامتدت يدا زوجها تجذبها عنه واحتضنها يربت على ظهرها مهدئاً وهو يغالب دموعه ويردد : لاحول ولا قوة إلا بالله ..إنا لله وإنا إليه راجعون .
رددت خلفه ما يقول وهي تكتم شهقاتها, أحست بزفرات الألم تكاد تشق صدره وهو يكظمها رأفة بها..
ولحظتها أدركت كم كانت قاسية عليه وعلى نفسها بابتعادها عنه, فرفعت إليه نظرات آسفة وحاولت الكلام .. فهمس قائلاً : هي محنة قاسية .. ولكن مصائب الدنيا تهون طالما نحن معاً نسأل الله الصبر والثبات.
المصدر : صفحة حروف تلوّن الحياة
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث