إشراقات شهر الصيام: أضواء وبيان.

لقد أطلّت على الدّنيا من جديد، الشمس التي لا ينطفئ ضوؤها، ولا يَحرق لهيبها، ألا وهي شمس شهر رمضان المبارك، وهي تحمل في ثنايا أشعتها الغزيرة من الأضواء النورانية، ما ينبغي لأبناء الأمّة شيبة وشبانًا الاستظلال بظلال دفئها ووَهجها الإيماني المبارك.
وقد أعطى الله تعالى، ورسوله عليه الصلاة والسلام، من الإشراقات الربّانية والنبوية، ما لا يمكن حصره ولا حجبه من الفيوضات العظيمة، والإشارات المُبينة على ما يحمله هذا الشهر الكريم من خصائص وفضائل، ومن مقاصد وغنائم، نقف على هذه الأربعة، وقفات يسيرة بنفحات مباركة غزيرة.
أولًا: ارتباطه بمسمّاه، أي شهر رمضان، وقد خصّه الله تعالى من بين سائر الشهور؛ ليكون أعظمها وأجلّها قدرًا، عندما ذكره سبحانه بالاسم دون غيره من كلّ الشهور.
ولأنّ في اسمه خصوصية تجعله مرتبطًا بما اختاره الله تعالى لأجله، فهو اسم مشتق من الرمضاء، أي الحجارة المُحماة، وذلك يفيد بأنه شهر يشتد فيه الصراع بين العبد المؤمن وبين نفسه، كما تشتد حرارة الشمس في الرمضاء على الحجارة؛ فتجعلها تسخن.
وبقدر ما تصبر تلك الحجارة على سخونتها، ينبغي أن يصبر الصائم، ويصدّ نفسه وهواه وشيطانه على أن يضعف ويذوي أمامهم حتى ينال مناه من صدّ إبليس وأعوانه عنه قبل أن ينالوا منه في دينه، ويفسدوا عليه صبره على عبادة ربّه وطاعته.
ثانيًا: من خصائص هذا الشهر الكريم، أن فيه أُنزل القرآن، وذلك في ليلة من لياليه، ذكرها الله في كتابه العزيز: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}، وكان نزول القرآن فيها من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا جملة واحدة. وكما ورد في معنى قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2)}، كما أنّ شرف مكة بشرف ساكنيها، يمكن القول أن شرف شهر رمضان بشرف ما نزل فيه.
ثالثًا: خصّ الله تعالى شهر الصيام بليلة فيه هي خيرٌ من ألف شهر، ويقول المفسرون هنا: العمل الصالح في ليلة القدر خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر. وقد رويَ أن رجلًا لبس السلاح، وجاهد في سبيل الله ألف شهر، فعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من ذلك، وتمنّى رسول الله عليه الصلاة والسلام مثْله لأمته، فقال يا رب: جعلت أمّتي أقصر الأمم أعمارًا، وأقلها أعمالًا. فأعطاه الله ليلة القدر، فقال ليلة القدر خير لك ولأمتك من ألف شهر، جاهد فيها ذلك الرجل. قال مجاهد أحد أعلام التفسير: "عملها وصيامها وقيامها خير من ألف شهر".
وأما بشأن فضائل هذا الشهر الكريم، فهي أكثر من أن يحصيها كتاب، فضلًا عن أن يدركها مقال. فمن فضائل شهر الصيام في ذاته وعلى من أدركهم حضوره، قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا جاء رمضان، فتّحت أبواب الجنّة، وغلّقت أبواب النار، وصفّدت الشياطين".
فمجيىء شهر رمضان؛ يعني أنه ستُفتح بقدومه على العباد أبواب الجنّة، كما ستُفتح لمتقين يوم القيامة، قال تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}، وأمّا إغلاق أبواب النار، أعاذنا الله وإياكم منها، فيعني أنه قدوم شهر الرحمة، أوجب إغلاق أبواب العذاب ولا يمكن للرحمة والعذاب أن يجتمعا معًا.
وأما تصفيد الشياطين، فيعني تكبيلهم وكفّ أعمالهم الخبيثة من أن تصل إلى الصائمين في شهر الله.
ومن فضائل الشهر العظيم ما بشّر به رسول الله عليه الصلاة والسلام، أمته جمعًا وفرادى في الدنيا وفي الآخرة، وفيهما معًا.
فمن تلك المبشّرات الجامعة في الدنيا قوله عليه الصلاة والسلام: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"، قوله عليه الصلاة والسلام: "ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
ومن المبشرات في الآخرة، قوله عليه الصلاة والسلام: "إنّ في الجنة بابًا اسمه الريّان لا يدخله إلا الصائمون، فإذا دخلوه أُغلق عليهم فلم يدخله غيرهم".
ومن المبشرات الجامعة بين فضيلة الصوم وأجر الصيام في الدنيا والآخرة، قوله عليه الصلاة والسلام: "للصائم فرحتان: فرحة عند إفطاره، وفرحة عند لقاء ربه"، وإذا كان ثمة فرحة عاجلة يلقاها الصائم بعد عناء صيام يوم طويل، فإن فرحته بما ادّخره الله تعالى له من ثواب عظيم لأجر الصيام قد ينسيه فرحته الأولى.
ولو أتينا إلى مقاصد الصَوم لوجدنا أنّها كأساس واحد تتفرع منه أعضاء يكمل بعضها البعض. فهذا الرأس هو التقوى، كما في قوله تعالى المتمّم في آية الصيام: {لعلّكم تتّقون}.
وإذا كان الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق.
معناه أن الصيام وهو باب عظيم من أبواب التقوى، ويصل بالإنسان إلى مرتبة عالية من مراتبه ألا وهي: مرتبة الإحسان، وكما جاء في حديث جبريل: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك".
وليس من عبادة من العبادات المفروضة أقرب إلى درجة الإحسان منها إلى الصيام،ولذا فقد جعل الله تعالى ثواب عمل ابن آدم فيه وحده دون غيره لا يجزيه جزاءه الأوفى إلا هو سبحانه، لما جاء في الحديث القدسي عن رب العزة: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به".
ومن وجوه الإحسان في الصيام، تحقق روح المشاركة، الإغاثية والإنسانية، عند الصائم تجاه إخوانه في الدّين، والمواطنة، فيشعر بالفقراء والمساكين وذي الحاجة منهم، وينفق مما أعطاه الله، متأسيًا برسول الله عليه الصلاة والسلام، الذي كان جوادًا كريمًا وكان كما جاء في الحديث الشريف: "أجود ما يكون في رمضان، كان كالخيل المرسلة".
وأما حُسن الخلق وهو ما يتفرع عن التقوى ويظهر أثرها العملي في خُلق المسلم وسلوكه، وآدابه القويمة عمومًا وفي شهر رمضان خصوصًا، وقد بيّن رسول الله عليه الصلاة والسلام، مثالين عظيمين فيما ينبغي على العبد الصائم العمل بهما؛ أحدهما بصيغة النهي والتحذير (من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه).
وأما الثاني بصيغة التبشير (إن أحدكم ليبلغ بحُسن خلقه درجة الصائم القائم)، فكيف إذا ما كان كذلك خلقه مع صيامه.
ويبقى أخيرًا أن نقول: إن الغنائم التي يكتنزها الصائم من صيامه لا حصر لها ولا عدّ؛ فينبغي له ألا يضيّع فرصه الثمينة، التي وردت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو تعلم أمتي ما في رمضان لتمنّت أن تكون السنة كلها رمضان".
فرمضان شمس؛ الصيام ضياؤها، والقربات عطرها، وليلة القدر مسك ختامها.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث