الصوم وجيلُ المَنعةِ والامتناع

يحيَا الإنسانُ في بُحبوحةٍ من العيش، فينسى مع مرورِ الزمن المنعِمَ المتفضِّل عليه، ويتصرفُ كأنّه مستقلٌّ بنفسه، إلى أنْ تتداوله الأيام وتناله الخُطوب، فتنزل به نازلةٌ من جوعٍ أو داءٍ أو حرمان، فتقضُّ مَضْجعَه وتضيّقُ عليه رَحابةُ الأرض، ولا يستطيع مواجهتَها إن لم يمرِّن نفسَه على التقشُّف، إلا الخائر المنكسر فإنه يستكين لها.
ثم إذا جاء رمضانُ فعلَ بالصائم مثلَ ذلك، بَيد أن الفرقَ يستبينُ في أنَّ الصائم صام بإرادته، ومنع نفسَه الطعامَ والشراب من أول النهار إلى آخره، ثلاثينَ يوماً، وهو راضٍ بأمر ربّه مستبشرٌ ببشرى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((مَن صامَ رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه)) (متفق عليه).
إنَّ في حرمان الإنسان نفسَه أحيانًا من طيّباتٍ أُحلّت له؛ من مثل اختراق عادة الشِّبَع والرِّيِّ في الصيام لَدرساً من أعظمِ دروس التربية العملية لتدريب الإرادة. خاصة أنّ قرار التجويع والعطش هو قرارٌ ذاتي لم يُجبر عليه، فهو باختياره امتنعَ عن شهواتِه وتخلَّق بأخلاق الصبر.
وفي هذا الحرمان تربيةٌ ذاتيّةٌ لتهيئة النفس لما هو أعظم، فقدرتُه على مجانبةِ الطعام والشراب وهو يشتهيه يُسهّل عليه قَبول التضحية بالحياة برُمَّتِها إرضاءً لله تعالى إن تَطلّب الأمر ذلك.
وهذا ما يفسّرُ كتابَ خالد بن الوليد - رضي الله عنه - إلى ملك فارس وهو يقول فيه: "... فقد جئتُكم بقومٍ يحبُّون الموتَ كما تُحبّون الحياة".
ولولا التدرّب على المَنع ما كان لذلك الجيلِ أن يجابِهَ الموتَ بنفوس راضية، بل ومشتاقة إلى لقاء ربّها.
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "إنّ من أسباب غَلْبِ العرب في الفتوح الأولى قلّةَ الشهوات التي يخضعون لها، أو قلة العادات التي تُعجز عن العمل إن لم تتوافر. يضع الواحدُ منهم تمراتٍ في جَيبه، وينطلق إلى الميدان، أما جنود فارس والروم فإنَّ العربات المشحونة بالأطعمة كانت وراءهم، وإلَّا توقَّفوا"!
ولعلّ التطبيق الحيَّ لهذه الصورة هو ما نشهده في عصرنا الحاضر من رَباطة جأش المقاتلين في غزّة، وصبرهم على حياة الأنفاق المظلمة لشهور، وتجلُّدِهم على الابتلاء العظيم الواقع بهم في موطنٍ حاصرهم فيه العالَمُ، وحاول أنْ يخنقهم ويسدَّ عليهم منافذَ الهواء الذي يتنفَّسونه..
ما رأيناه كان مثالاً لجيل تربّى على تدريب الإرادة واقتحام المخاوف، فما كان المقاتلُ منهم رِعديداً ولا خَوّارًا، بل كان يهجم على دبابة "ميركافا" المتطوّرة، فيضعُ على ظهرها عبوةَ الشُّواظ من مسافة الصفر في موقف هو غاية في البطولة.
وما كان له أن يقتحمَ حِمى الموت لولا قوّة الإرادة وتربية الامتناع.
إنَّ الجيلَ الذي سيحرِّرُ الأقصى هو الجيلُ الذي يجعلُ الشهواتِ مذعنةً للمبادئ، والمشاعرَ مِطْواعةً للحسّ الإسلامي، الجيلُ الذي يمتنعُ رغم رغبتِه، ويبتسم رغم الآلام التي تفطر قلبَه، ويقف شامخاً رغم الجروح التي تنزف منه وتنزف فيه. إنه جيلُ المَنعة والامتناع.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث