الحجاب وقاية واستقرار
في أَتونِ جدلٍ مُفتعَل، تُطِلُّ قضيةُ الحجابِ بين حينٍ وآخر تحت مسوِّغاتٍ شتى، لا يُراد منها زرع الارتياب في فريضةٍ بعينها فحسب، بل الطعن في ثوابت الدين الحنيف وجوهر عقيدته. وإنَّ المتأملَ لَيُدرك أنَّ هذا الضجيجَ ليس من قَبيل المصادفة، بل هو نتاجُ ضخٍّ إعلامي مُمنهج، يسعى لتصويرِ هذا التكليف الإلهيِّ على أنه قيدٌ يَغُلُّ حريّة المرأة، أو وصمةُ تخلُّفٍ لا يمحُوها إلا الانسياقُ الأعمى وراء رَكب التغريب!
إنَّ ما يشهده الفضاءُ الفكريُّ اليومَ ليس حوارًا معرفيًا بريئًا، بل هو حشدٌ مأجور يهدف إلى زعزعة القناعات؛ حيث يُقدَّم الالتزامَ بالحشمة كعِبءٍ يُعيق رقيَّ الأنثى وتقدُّمَها، في مفارقةٍ عجيبة تختزل المرأة في أبعادها الجسدية، وتجعل من 'الاستهلاك' معيارًا أوحدَ للقيمة.
وطَرْقُ هذه الشبهات وتكرارها مرارًا يرسِّخها في الوعي الجَمعي، وهذه حقيقةٌ نفسية سَبر غورها العالمُ الموسوعيُّ 'غوستاف لوبون' بقوله: 'إنَّ تكرار الأشياء بانتظام كفيلٌ بأن يغرسَها في الزوايا المظلمة من اللَّاوعي'.
هذا الخطابُ المضلِّل يروِّج لنموذجٍ يرى في المرأة مادةً للعَرض، مجافاةً لخُلق الحياء الذي لا يأتي إلا بخير كما أخبر عنه صلى الله عليه وسلّم، وأنَّ رقيَّ الأمم يُقاس بمدى انضباط غرائزها لا بانفلاتها.
ومن بؤس الواقع أن يتصدر هذا الطرح مَن يُسَمّون أنفسهم 'تنويريين'، فيعمَدون إلى تعطيل النصِّ القرآنيِّ وتفريغه من دلالاته الشرعية عبر تأويلاتٍ عليلة، بينما تعجز ألسنتُهم عن إقامة مباني الآية، فضلًا عن فقه معانيها وأسرار تشريعها.
وعلى الرغم من أنَّ الحجاب ليس 'صكَّ غُفرانٍ' يضمن عصمةَ لابستِه، كما أنَّ السُّفور ليس حُكمًا مُبرمًا بفساد طويّة صاحبتِه - إذ قد تكون المظاهر أحيانًا حجابًا لما تُكِنُّه الصدور- إلا أنَّ الحجاب في جوهره هو 'إعلان سيادة' للمرأة على جسدها، ورفضٌ قاطع لاختزاله في سلعةٍ تُعرض في أسواق المادة. إنه موقفٌ أخلاقي يعكس صلابة الاختيار الحر، فالسترُ ما كان يومًا حائلًا أمام التميّز والإبداع.
إنَّ الحجاب بوَقاره يمثل حِرزًا يحمي النسيج الاجتماعي من فوضى الغرائز، ويؤسِّس لبيئةٍ قِوامها العطاء لا الإثارة، والفكر لا التسلية العابرة. هو صمام أمان يحفظ توازن المجتمع، ويَقِي المرأةَ من أن تتحول إلى 'غرضٍ' لترصُّد السوء؛ ولذا جاء التحذير النبويُّ الشريف في قوله ﷺ: 'ما ترَكتُ بعدي فتنةً هي أضرُّ على الرِّجالِ مِن النساءِ' متفق عليه.
إنه تشريعٌ يَروم صون الفضاء العامِّ من هيجان الشهوات، وحماية الرجل والمرأة معًا من عثرات النظر، ولعلَّ هذا ما دفع 'أميرَ الشعراء' شوقي إلى قوله:
إنَّ الحـجابَ سماحـةٌ ويَـسارةٌ ... لولا وحوشٌ في الرِّجال ضَواري
جَـهِلوا حـقيقتَه وحِـكمَةَ حُـكمِه ... فـتجاوزوه إلى أذىً وضِـرارِ
وعلاوةً على ذلك، يسعى مُثيرو هذا الجدل إلى بذرِ الشِّقاق بين المحجَّبات وغيرهن، عبر تأليب المرأة السافرة على أختها المحجَّبة بدعوى الاستعلاء والتميُّز الأُخروي، وهي أدوات تمزيقٍ خبيثة تهدف إلى تفتيت اللُّحمة الاجتماعية. أما الذين يتشدقون بمثاليةٍ زائفة وينكرون أثر الفتنة بدعوى الرقيّ الفكري، فحالهم كمَن يُنكر ضوء الشمس في رابعةِ النهار؛ فالنفس البشرية مجبولةٌ على الميل إلى الهوى، والحجاب يضعُ حاجزًا منيعًا يحفظ كرامة المرأة من مرضى القلوب.
وختامًا، فإنَّ الحجاب وقايةٌ واستقرار، والأجدر بمناوئيه أن يواجهوا أنفسهم بشجاعة، بدلًا من التلحُّف بعباءة التحرُّر الزائف، أو الوقوع في فخِّ 'الدياثة الفكرية' التي تُجمِّل القُبح وتقبّح الجمال.
إنَّ اعتزازنا بشعائرنا هو مَكمن هيبتنا؛ فالعالَمُ لا يحترمُ المنسلِخين من هوياتهم، بل ينظر بإكبارٍ لمن يتمسّك بمبادئه ويجعل من حشمتِه عنوانًا لرفعته وأَنَفة دِينِه.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




الحجاب وقاية واستقرار
شعرتُ بما شعرَ به عُمر!
استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة الدعوة الإسلامية
الإسراء والمعراج سلوى للرسول وتذكير بشرف الوصول
يا أُمَّة الإسراء والمعراج !