بين مطرقة العلمانية وصحوة المسلم تفكيك أزمة «حظر الحجاب» في أذربيجان
«يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ» (التوبة: 32)
في كل مرحلة تاريخية، تتجلى هذه الآية الكريمة في بقعة ما من أرجاء هذا العالم الإسلامي؛ حيث تتوالى القرارات الساعية إلى طمس هذا النور المتجدد. واليوم، تشهد جمهورية أذربيجان فصلًا جديدًا من فصول هذا الصراع العتيق، بالتزامن مع صحوة إسلامية متصاعدة تتجسد في مجتمع يعتنق 93% من أبنائه الدين الإسلامي.
تطالعنا الأخبار بما بات يُعرف بـ «أزمة الحجاب في أذربيجان»، وهي الأزمة التي بدأت شرارتها تتصاعد منذ أيلول/سبتمبر 2026م. ولتفهم جليّات هذا المشهد، لا بد من العودة إلى تفاصيل الخريطة الزمنية والسياسية لهذه الأزمة.
تدرج ذكي أم التفاف تشريعي؟
لم تجئ القرارات الأخيرة وليدة اللحظة، بل عبر استراتيجية تدرج تهدف لشرعنة الحظر وتجنب الصدمات المباشرة:
- يوليو/تموز 2026 (التمهيد التشريعي): أقر البرلمان الأذربيجاني التعديل رقم 434 على "قانون التعليم العام"، مرسّخًا مفاهيم "الوطنية والعلمانية" كركائز أساسية للتعليم في المدارس الحكومية، وهو ما فتح الباب رسميًا للقرارات التنفيذية.
- سبتمبر/أيلول 2026 (الغموض الهادف): اتسمت النصوص بالتطبيقات الضبابية؛ حيث استغلت إدارات المدارس غياب النص الصريح لمنع الطالبات من ارتداء أي ملابس إضافية (وعلى رأسها غطاء الرأس) بدعوى مخالفة الزي الموحد ومبدأ علمانية التعليم.
- أكتوبر/تشرين الأول 2026 (قرار المعلمين): وسّع مجلس الوزراء دائرة الحظر بالقرار رقم 325، ليفرض على المعلمين والمعلمات زيًّا يتماشى مع الطابع المهني والعلماني للمؤسسة.
- مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2026 (الشارع يتحرك): أمام هذه القرارات المجحفة بحق الحرية الدينية وحق التعبير المتمثّلة بمنع الحجاب في المدارس، اندلعت احتجاجات ميدانية ومقاطعة واسعة للفصول الدراسية، وانتشرت المظاهرات الغاضبة والمقاطع المصورة عبر شبكات التواصل.
- 1 أكتوبر/تشرين الأول 2026 (الحسم الأمني): تدخلت الشرطة بقوة لفض الاحتجاجات، وأعلنت وزارة الداخلية رسميًا عن اعتقال 37 شخصًا بتهم "الإخلال بالنظام العام وتنسيق تعطيل المؤسسات التعليمية"، مع فرض رقابة صارمة على المحتوى الرقمي.
وقراءة لما بين سطور القانون تتجلى الثغرة التشريعية في تجنُّب النصوص ذكر كلمة "الحجاب" صراحةً؛ مما منح الحكومة مساحة للمناورة السياسية، وتركت عبء التطبيق الميداني للمدراء لتظهير الأزمة وكأنها مجرد "التزام إداري"، متجنبة الصدام المباشر مع مواد الدستور التي تكفل حرية المعتقد. ليكون التلاعب في الألفاظ مواراة لجريمة نكراء بحق كل مسلم غيور على دينه أينما كان!
الأبعاد الأربعة للأزمة: شطرنج السياسة والأمن
تأخذ الأزمة أبعادًا مركبة ومترابطة تعكس تعقيد المشهد الداخلي والإقليمي:
1. البعد الاجتماعي: اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع
يُظهر الانتقال السريع للشعب من الامتثال الصامت إلى الرفض الميداني ومقاطعة المدارس في العاصمة باكو ومناطق الجنوب نقطة تحول جريئة للحركات المجتمعية المحافظة. وفي المقابل، يعكس لجوء السلطات الفوري للحل الأمني قلقًا صريحًا من تحول الحراك إلى تهديد سياسي مباشر.
2. البعد الدبلوماسي: اختبار شعار «أمة واحدة في دولتين»
امتدت أصداء الأزمة إلى أنقرة؛ حيث انتقد نواب حزب العدالة والتنمية وكبير مستشاري الرئيس التركي أوكتاي سراي قرارات الحظر، مشبهين إياها بأزمة الحجاب في تركيا عام 1997م، وتظاهر أتراك أمام القنصلية الأذربيجانية بإسطنبول.
غير أن الرد من باكو جاء حادًا في 13 أكتوبر عبر بيان لـ حزب أذربيجان الجديدة الحاكم، رفَض فيه ما وصفه بـ "التدخل التركي غير المقبول"، مؤكدًا أن حلف الشراكة لا يعطي أنقرة حق الوصاية على النظام الدستوري العلماني لأذربيجان.
3. البعد الجيوسياسي: التذرع بالورقة الإيرانية
وظفت السلطات الأذربيجانية خلافها التاريخي مع طهران، متهمة الحوزة الدينية في قم بالتخطيط للاحتجاجات واستغلال القاصرين. وسعت هذه السردية الرسمية إلى شيطنة الحراك وتحويله من مطالبة بحقوق وحريات إلى قضية أمن قومي وتدخل استخباري خارجي لإضعاف التعاطف الشعبي.
انفصام الهوية: ظاهرة تتكرر في القوقاز وآسيا الوسطى
ليست تجربة باكو منفصلة عن بيئتها الإقليمية؛ إذ تعيش دول المنطقة حالة من "انفصام الهوية" بين نخب حالمة بإرث سوفيتي علماني صارم ومجتمعات تشهد صحوة إسلامية متصاعدة.
غير أن الاختلاف البارز في الأزمة الأذربيجانية الحالية هو الوعي المجتمعي المتشكل؛ حيث رفعت الفتيات والأهالي أصواتهم بوضوح رافضين الانصياع الصامت.
صمت المؤسسة الدينية الرسمية وصوت الشارع المستقل
أمام هذا المشهد الفارق، لاذت المؤسسات الدينية الرسمية في أذربيجان بـ الصمت المطلق والتزمت الامتناع التام عن التعليق؛ في موقف يجسد تبعيتها البنيوية لهندسة السلطة العلمانية الحاكمة.
في المقابل، برزت الأصوات المستقلة من العلماء والناشطين الحقوقيين الذين واجهوا القرارات (399 و325) بالتفنيد القانوني، موضّحين أنها تخالف المادة 48 من الدستور الأذربيجاني التي تضمن حرية الضمير والمعتقد. وكان الرد الحكومي حاضرًا عبر حملة اعتقالات استهدفت رموزًا دينية وناشطين بتهم الإخلال بالنظام.
ونحن نتابع معركة على وعي الأجيال في أذربيجان تعود بنا جذور إسلامها الضاربة إلى عهد الفتوحات في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والتي ما زالت تعتنق الإسلام حتى نهاية الخلافة العثمانية، لتتحول بعدها تناقض بين الحاكم والمحكوم لتقف اليوم أمام اختبار جديد لترسيخ هوية تاريخها المسلم.
فالأزمة الحالية ليست مجرد خلاف إداري على قطعة قماش أو زي مدرسي، بل هي معركة كسر عظم هدفها هندسة وعي الأجيال القادمة وتجريدهم من مظاهرهم الإسلامية. غير أن حراك الشارع وصمود المجتمع المحافظ يؤكدان أن الصحوة الإسلامية عصية على التهميش، وأن محاولات الإطفاء التشريعي والأمني لن تزيد أصحاب الحق إلا ثباتًا ووعيًا بإذن الله.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




بين مطرقة العلمانية وصحوة المسلم تفكيك أزمة «حظر الحجاب» في أذربيجان
محاربة الحجاب باسم العلمانية
لماذا الحرب على حجاب المرأة المسلمة؟
لماذا نهمل مخطوطاتنا؟
السؤال عن النعيم النافع منه والسقيم