دكتوراه لغة عربية ودراسات إسلامية | لبنان
هل ثمَّة شافعيٌّ جديد؟
أكثر ما يحزن الأب أن يرى أولاده متنازعين، وأكثر ما يسعده أن يراهم متوافقين. وأكثر ما يفتُّ في عضد أمةٍ تناحرُها واختلافُها، وأكثر ما يقوّي أمةً وحدتُها واتحادُها.
وإن مما يغضب ربنا أن يرى عباده المسلمين متناحرين وقد نهاهم عن ذلك في كثير من الآيات، ومنها قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾. ولأن الله يعلم الغيب وما سيكون، ويعلم اختلاف العقول ومنازع الآراء، فكأنه يقول: مع أنكم ستختلفون لوجود نصوص ظنية، وأخرى مجملة، وآيات لفظها مشترك، وعقول متفاوتة؛ لكن كونوا متوحدين في الدين ولا تتفرقوا.
ونحن اليوم مرّ علينا قرابة سنتين على تحرير سوريا، ولا يعلم إلا الله مقدار سعادتنا بما جرى. ولولا فتح سوريا وأنه خفف عنا موجدة القلوب على غزة لأصابنا اليأس والإحباط؛ لكن الله ابتلانا في غزة وأنعم علينا في سوريا، وشعرنا أن المنطقة مقبلة على تاريخ جديد ومستقبل مجيد، وكان تحرير سوريا أكثر أهمية عندي من تحرير فلسطين لأن سوريا بوابة القدس.
غير أن سعادتنا بما جرى في الشام بدأت تتقلص، وصارت الغيوم الكالحة لا تبشر بخير، وصار عمود التحرير -وهم أهل السنة- يتنازعون ويتبادلون الاتهامات، ويتقاذفون بالابتداع وربما التكفير، وصارت المساجد تهاجم المساجد، وصار لكل رأي أنصار ومتحزبون، وكأن الخوف على ضياع القرآن الذي شعر به سيدنا عمر عند موت القُرّاء صار مثله عندي وعند كثير من الغيارى على هذه الأمة.
لقد دار الزمان دورته وعادت المعارك العقائدية والجدلية جَذَعَةً من جديد، وصار أعداؤنا سعداء مترقبين لقلة عقل، أو رقة دين، أو حماقة فعل يَقْدُمُ عليها هذا الفريق أو ذاك.
وبمثل ما شعرتُ به، شعرتْ به وزارة أوقاف سوريا؛ فأقامت مؤتمرًا للعلماء وتبنّت ميثاقًا جامكًا لكلا الفريقين، لكن خرج كل فريق وهو غير مقتنع بهذا الميثاق، وعادت رحى المعارك الكلامية من جديد. وسبب فشل الميثاق أنه كان ميثاقًا سياسيًا وليس ميثاقًا مبنيًا على أسس شرعية تجعل الفريقين مضطرين لقبوله.
فالسلفيون يعتبرون الأشاعرة مبتدعة ومخانيث المعتزلة، ويرون أن الله سيسألهم إذا هادنوا الأشاعرة! والأشاعرة يرون السلفيين أنهم مجسمة مشبّهة أحفاد الكرامية، وأن الله سيحاسبهم إن سكتوا عن الإساءة لله عز وجل!
وبين الفريقين المتخاصمين فريقٌ ثالث يرى الفريقين أهلَ سنةٍ وجماعة، وأن هذا اللقب لا يعني إضفاء العصمة على أصحابه؛ فأهل السنة هم الذين يجعلون السنة النبوية مصدرًا رئيسيًا من مصادر التشريع، وهذا مسلَّم به عند الطرفين؛ خلافا للشيعة الذين يجعلون السنة المنقولة عن أئمتهم الإثني عشر حجة يضاف إليها أقوال أئمتهم المعصومين.
والطرفان (السلفيون والأشاعرة) أهل جماعة، يرون أن الجماعة هي التي تنتخب خليفة من بين المسلمين، ويرون الجهاد خلف أئمة الجور خلافًا للخوارج.
ووجود آراء عقائدية حول ركن من أركان الإيمان مع اتفاقهم حول بقية الأركان لا يجعل الفريق المخالف خارجًا عن أهل السنة والجماعة، حتى وإن كان مخطئًا.
فعقيدة الطرفين حول الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر تكاد تكون واحدة، والخلاف في الفعل والكسب هو في التحقيق خلاف لفظي. وعقيدتهم في الصلاة والزكاة والصيام والحج واحدة.
وعقيدتهم في الله فيها كثير من المتفق عليه، ومحل الخلاف هو "الصفات الخبرية" بين الإثبات والتفويض والتأويل. وقد نقل الذهبي عن الإمام أبي الحسن الأشعري أنه قال وهو على سرير الموت: "اشهدوا عليّ بأني لا أكفر أحدًا من أهل القبلة، وكلهم يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هو اختلاف عبارات"، وقال الذهبي: "وبمثل قوله أقول".
وكما أن هناك مذاهب لأهل السنة في الفقه وهي كثيرة -ولا شك أن آراء بعضها خطأ- بل إن المالكية اتخذوا أصلًا فقهيًا وهو "عمل أهل المدينة" أصلًا تشريعيًا، مما جعلهم يردّون كثيرًا من الأحاديث، ومع هذا بقي المالكية أهل سنة. ومع أن الحنفية استدلوا في الفقه بكثير من الأحاديث الضعيفة وأجازوا شرب النبيذ؛ لكنهم بقوا أهل سنة. وللظاهرية آراء غريبة وعجيبة، وهم أهل سنة.
فكذلك أهل السنة لهم مذاهب في العقيدة وهما مذهبان: أهل الحديث والأشاعرة، وإن كان أحدهما مخطئًا ولا شك فيما خالف فيه الآخر.
والعجيب أن الطرفين يعتبران عليًّا ومعاوية -رضي الله عنهما- كلاهما من سادات أهل السنة، مع أن لهما رأيين سياسيين متعارضين أدى بهما إلى سفك كثير من الدماء، ومعاوية باغٍ بنص الحديث، ولكن قالوا: اجتهد!
والعجيب أيضًا أنهما يعتبران الحسين ويزيد كلاهما أهل سنة؛ مع أن يزيد ارتكب مجزرتين إحداهما كربلاء، والأخرى أخطر وأدهى وهي "وقعة الحرة" التي قُتل فيها 209 من الصحابة، ويبرر البعض ليزيد بأنه "قتل الحسين بسيف جده!"
فلماذا وسّعتم الفرق المتناحرة واعتذَرتم للبغاة بالاجتهاد، ولم تعتذروا لأهل الحديث بالاجتهاد وهم يرون وفرة من النصوص في الصفات الخبرية؟! ولماذا لم تعتذروا للأشاعرة بالاجتهاد وهم يجعلون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ آية محكمة تُرد إليها النصوص المتشابهة؟!
ما الذي يفيد السوريين من أن نطلعهم على أخطاء السلفيين أو الأشاعرة؟! وهل سيكون بمقدور أحد أن يلغي الآخر؟! أم أننا سنظل في جدل بيزنطي إلى قيام الساعة؟!
وعندما نقرأ التاريخ نجد أن هناك معارك بين أصحاب الرأي الواحد في العقيدة، وهم الشافعية والحنفية، قام بها ضيقو العَطَنِ، زَمِرُو المروءة، سفهاء الأحلام.
ويأتي الإمام أحمد ليقول لنا: "ما زلنا نلعن أصحاب الرأي ويلعوننا حتى جاء الشافعي فوحد بيننا".
فهل ستشهد هذه الأمة شافعيًا جديدًا ينهي اللعن بين السلفيين والأشاعرة ويُوحّد بينهم، ثم يمضون إلى ربهم فينبئهم يوم القيامة بما كانوا فيه يختلفون؟
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




هل ثمَّة شافعيٌّ جديد؟
هو أسوة وقدوة حسنة في كل الظروف والأحوال
مَعيّةُ اللهِ .. وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ..
التربية والتوعية الدينية خَطّا الدفاع الأول.. الوقاية من المخدرات حماية للشباب من أخطارها
البيان الصريح... لوجوه العلمانية القبيحة