مَعيّةُ اللهِ .. وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ..
{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].
(كن مَعَ اللهِ ترَ اللهَ معك).. طلب وجواب.. يحملان أسرار السعادة للمُؤمن.. ويصنعان له الحياة الطيّبة المُطمئنّة.. ولو كتب عنهما مجلّدات لم تف بحقّهما.. فلا عجب أن يتغنّى المُؤمنون بهذه الكلمات في مجالس الأنس والصفاء.. لتحلّق بهم وتجذبهم إلى حقائقها العلويّة ..
وقول الله تعالى: (لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا) كم فعلت هذه الجملة القرآنيّة فعلها في قلوب المؤمنين.. وهم يستذكرون ما يرتبط بها من الهجرة النبويّة الشريفة.. وغار حراء وملاحقة المشركين للنبيّ ﷺ وصاحبه.. وقد تجرّد المُهاجران من كلّ أسباب القوّة الظاهرة.. ولكنّ ربّ الأسباب سبحانه كان معهم بعين مَعيّته وحفظه ورعايته ..
والحبيب المصطفى ﷺ لا يغفل عن هذه الحقيقة بل يعيشها بكل مشاعره وأحاسيسه.. وعندما يقول له الصديق رضي الله عنه من خوفه عليه: لو نظر أحدهم إلى قدميه لرآنا، فيقول له النبيّ ﷺ مُطمئنًا: {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا}..
وهذا الشهود لمعيّة الله تعالى سكب الطمأنينة في قلب الصديق رضي الله عنه فعاش هذه الحالة الإيمانيّة القلبيّة التي امتزجت بكيانه كله.. وهل لأحد غير المؤمن أن يعيش مثل هذه الحالة ويذوق لذّتها.. وإنّها لمن أعظم ثمرات الإيمان واليقين بالله عزّ وجل ..
سياحة في كتاب الله تعالى مع المَعيّة الإلهيّة: ولو تدبّرنا كتاب الله تعالى لرأينا الحديث عن المَعيّة الإلهيّة مستفيضًا في مناسبات عديدة ممّا يدلّ على أنّها قضيّة في ذروة الإيمان والإحسان: {وَأَنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِين} [الأنفال: 19] .. {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِين} [التوبة: 36].. و[البقرة: 194].. {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُم} [محمد: 35] ..
وفي قصّة موسى عليه السلام يقول الله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُون * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين} [الشعراء: 61، 62] ..
والمَعيّة الإلهيّة تحمل معنى الولاية والنصرة: {وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا} [النساء: 45].. {وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِين} [آل عمران: 68] .. ومن أعظم ثمراتها إخراج المُؤمن مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257].. وأيّ معيّة أعظم شأنًا وقَدْرًا من معيّة الله تعالى الذي بيده الملك وله الخلق والأمر.. وهو على كلّ شيء قدير؟!
والمَعيّة الإلهيّة أعظم مُربّ لقلب المؤمن وروحه.. ومعها المَعيّة النبويّة إذ يقول الله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29].
ومعها وعلى إثرها وخطاها المَعيّةُ مع جيل النبوة رضي الله عنهم الذين ربّاهم النبيّ ﷺ على عينه ثمّ التابعين والصالحين من الأئمة الربانيين .. وما أكثرهم في هذه الأمة بفضل الله تعالى ورحمته ..
ومن لطائف المَعيّة ما قال ابن عطاء في قوله: (لا تحزن إنّ الله معنا) قال: ليس من حكمة من كان الله معه أن يحزن. فهو سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
وقال تعالى لموسى وهارونَ عليهما السلام: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46].
وقال موسى عليه السلام لقومه في أشدّ ساعات الخوف والعسر والتحدّي: {كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62].
وقال تعالى في حقِّ محمدٍ ﷺ وصاحبِهِ: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40].
وقَوْلِهِ ﷺ لِصَاحِبِهِ: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا) أَيْ: أَنَّهُ كَانَ هُوَ الَّذِي يُسَلِّي صَاحِبَهُ وَيُثَبِّتُهُ لَا أَنَّهُ كَانَ يَتَثَبَّتُ بِهِ.. وَهَكَذَا كَانَ شَأْنُهُ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَشْتَدُّ فِيهِ القِتَالُ والنزال، وَسَبَبُ ذَلِكَ وَعِلَّتُهُ إِيمَانُهُ الْأَكْمَلُ بِمَعِيَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ الْخَاصَّةِ.
وهذهِ المَعِيَّةُ العُلْيَا هِيَ مَعِيَّةُ الحِفْظِ وَالنَّصْرِ وَالعِصْمَةِ وَالتَّأْيِيدِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعِنَايَةِ الخاصّة..
وقال له الصِّديق وهما في الغار: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميْه لرآنَا.. فقال ﷺ: "يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟ فما دُمْنا في معيَّةِ مَنْ لا تدركه الأبصار فلن تدركنا الأبصار".
قال الشيخ السعدي: وفي هذه الآية الكريمة فضيلة أبي بكر الصدّيق بخصّيصة لم تكن لغيره من هذه الأمّة؛ وهي الفوز بهذه المنقبة الجليلة والصحبة الجميلة.
وأجمع المسلمون على أنّ الصديق هو المراد بهذه الآية الكريمة، وعدّوا من أنكر صحبة أبي بكر رضي الله عنه للنبيّ ﷺ كافرًا؛ لأنّه منكر للقرآن الذي صرّح بها.
وفيها فضيلة السكينة وأنّها من تمام نعمة الله تعالى على العبد في أوقات الشدائد والمخاوف التي تطيش فيها الأفئدة، وأنّها تكون على حسب معرفة العبد بربّه وثقته بوعده الصادق وبحسب إيمانه وشجاعته.
وفيها: أنّ الحزن قد يعرض لخواصّ عباد الله الصدّيقين، مع أنّ الأولى إذا نزل بالعبد أن يسعى في ذهابه عنه؛ فإنّه مضعف للقلب موهن للعزيمة.
وَكانت ثمرةُ هَذِهِ المَعِيَّةِ الإلهيّةِ: {فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
وما دام الحقّ سبحانه قال: {بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} وقال في آية أخرى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} [المدثر: 31]، فالجنود الذين سخّرهم الله تعالى لرسوله ﷺ ليحفظوه خلال الهجرة لا يعلمهم إلاّ الله. وكلّ شيء في هذا الكون من جنود الله، فهو تعالى سخر الكافر لخدمة الإيمان.. ألم يكن دليل رسول الله ﷺ في هجرته من مكّة إلى المدينة هو عبد الله بن أريقط؟ وكان ما زال على الكفر، فكأنّ الله سبحانه وتعالى سخر له الكافر ليكون دليله في رحلته من مكة إلى المدينة. وهكذا عمل الكافر في خدمة الإيمان.. وفي الوقت نفسه فكلّ ما رصدتْه قريش من جُعل لمن يدلُّها على مكان رسول الله ﷺ لم يُغْرِ الدليل الكافر بالخيانة، بل أدخل الله على قلب الكافر ما يجعله أمينًا على رسول الله ﷺ، وتلك من معجزات الله تعالى لنبيّه ﷺ..
اللهم اجعلنا مِنْ أَهلِ المَعِيَّةِ الخاصّةِ في الدنيَا والآخرَةِ.. واجعلنا دائمًا فِي حفظك وحِرزكَ وأمانك.. ولا تكلنا إلى أنفسنَا وَلاَ إلى أحد مِن خلقكَ طرفة عين وَلاَ أقلّ مِنْ ذلك.. وأصْلح لنَا شأننَا كُلّه.. لا إله إِلاّ أنتَ. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العَالَميْن.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




مَعيّةُ اللهِ .. وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ..
التربية والتوعية الدينية خَطّا الدفاع الأول.. الوقاية من المخدرات حماية للشباب من أخطارها
البيان الصريح... لوجوه العلمانية القبيحة
الحجاب ليس جريمة، والمحجّبة ليست مواطنة من الدرجة الثانية
محاربة الحجاب بالتلطي وراء كذبة اسمها العلمانية