حذارِ يا حكومة باكو
شهدَتْ جِينات مبادئ العلمنة في أذربيجان طفرةً انتكست فيها فِطرة السَّتْر، وتَحَوُّرًا شَوَّهَ أصولَ الحرية، وانحدارًا هوَتْ فيه معاني الإنسانية؛ فبعد قرارَيْن مُجْحِفَيْن متعَسِّفَيْن اتخذتهما الحكومة هناك - في سبتمبر وأكتوبر من العام الجاري - وجدت طالبات أنفسهن عن أبواب دُور التعليم قد حُرِمْن حقَّهن المكفول دستورًا في التعلُّم! ثم تعدَّى القرار إلى معلِّمات بلغن شأوًا في الثقافة، كما إداريات شغلن مناصب ردحًا من الزمن؛ جميعهن وجدن أنفسهن - بين ليلة وضحاها - مهدَّدات في رسالتهن التعليمية المشرِّفة، وفي خطر استقرارهن الوظيفيِّ، كلُّ ذلك لأجل إرادتهن ممارسة حقِّ سَتْرِ أنفسهن، والتزام شعائر دينهنَّ!
إن أذربيجان بلد ذو هوية إسلامية متجذرة، وغالبية مسلمة ساحقة، ومع ذلك فقد اجترأت حكومتها وجمعيتها الوطنية (البرلمان الآذري) على تعديل تشريعي يناقض دستور البلاد الكافل بضمان تامٍّ لمساواة المواطنين في الحقوق والواجبات، مهما كان انتماؤهم الديني، أو توجُّههم السياسي، كما الكافل بحقِّ التعلُّم، بل وإلزاميته في بعض مراحله!
تعديل يقضي - رسميًّا - بهيمنة مبدأ العلمنة الوطنية على قانون التعليم العامِّ، وتعميمه على مؤسَّساته كافة، ووقَّع سيِّء الذِّكر علي أسادوف رئيس السلطة التنفيذية قرارًا يقضي بحظر أيّ لباس يناقض مبدأ العلمنة، والمستهدف الأول – بطبيعة الحال - هو حجاب المسلمات، كما فرض طرد وإقالة مَن تخالف ذلك!
إن مثل هذا القرار المناقض لدستور البلاد، والمقايض لحقِّ التعلُّم بحقِّ المعتقد (الحرية الدينية)، لو أن بلدًا مسلمًا اتخذ قرارًا مناقضًا له ففرض الالتزام بالحجاب على مؤسسات التعليم كافَّةً، وكان ذلك القرار موافقًا لدستوره المقنِّن للشريعة الإسلامية، لو أن ذلك حصل لقامت مؤسسات حقوق الإنسان حالًا مُلقيةً- جُزافًا - تهمة القهر والتسلُّط، وكبت الحريات؛ والمسِّ بالمعتقدات، والتزمُّتِ المفرط المؤذي للشراكة المجتمعية المصونة! مع كونه قرارًا - فيما لو اتُّخذ - لكان حفظًا لتلك المؤسسات التعليمية من الانحرافات السلوكية، وسياجًا للمجتمعات من مزالق الفتن، وما قد يستتبعها من انتشار لفوضى أخلاقية، تزيد بها نسبة الفاحشة، أو حتى نسبة ارتكاب جرائم سمَّوها - زورًا - جرائم شرف! ناهيك عن احتمال تفكُّك الأُسر واختلاط الأنساب!
يا أهل العلمنة رويدًا في عَلْمَنَتِكم، لا تُغالوا بها فتنكشفوا، فإنْ كانت علمنتكم هي الأساس فإن الشعوب المسلمة تمجُّها وتلفظها، وفي طليعتها شعب أذربيجانَ المسلم، الذي كان ولا يزال وسيبقى الإسلام عندهم هو الأساس. وهذه الشعوب لَتَعْلَمُ أن توحيد الزيِّ المدرسي ما هو إلا مقدمة لحظر الحجاب في مؤسسات التعليم، وما ذلك إلا مقدمة لنشر العلمنة في تمام المجتمع.
إنها بداية أزمة قد تتراكم تداعياتها لتفوق احتجاجات سابقة ألزمت حينها الدولة بعدم فرض قانون يفرض زيًّا موحَّدًا (منزوع الحجاب) على مؤسسات التعليم.
ونحن نرى اليوم تضامن طلبة أذربيجان - ذكورًا وإناثًا - مع زميلات المدرسة، كما نرى تضامن كوادرَ تعليمية أيضًا - ذكورًا وإناثًا - مع زميلات الرسالة، وما ذاك إلا بداية تفاعل تلك الأزمة داخليًا، ونرى أن الحكومة شَرَعَتْ بكمِّ أفواه العلماء وأهل الثقافة، واتسع الرقع خارجيًا بإحداث أزمة دبلوماسية مع حكومة أنقرة، وربما يلحق بها دول مسلمة لا يزال فيها مَسْكَةٌ من تدَيُّنٍ وبقيةٌ من مبادئ.
يا حكومة باكو: إن السعيد مَن وُعظ بغيره، وإن الشقيَّ مَن وُعظ بنفسه، ألم تَرَوْا إلى سيدتكم تركيا مؤسِّسة العلمانية ومؤسَّستها الأقوى والأكثر تجذُّرًا كيف نبذ أهلها – تدريجًا- ما كانوا عليه؟! أم لم تروا كيف انهار اتحاد سوفياتيّ ولم يتبقَّ منه سوى دول متفرقة، وهو الذي تولّى كِبْرَ الإلحادِ عقودًا من الزمن، وكيف طالعتنا روسيا مؤَّخرا باعتماد رسميّ بقَبُول الحجاب لمن شاءت في أوراقها الثبوتية وجواز سفرها؟!
يا حكومة باكو: حذارِ المساس بمُسلَّمات المُسلمات، فإنه قد يستجرُّ عليكم زلزالًا قد لا تسلم من ارتداداته علمنة بلدكم.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




حذارِ يا حكومة باكو
حين يُغلق باب العلم في وجه الحجاب
بين مطرقة العلمانية وصحوة المسلم تفكيك أزمة «حظر الحجاب» في أذربيجان
محاربة الحجاب باسم العلمانية
لماذا الحرب على حجاب المرأة المسلمة؟