كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
تُنسَج الثياب في الغرب، ثم تصدّر إلى الشرق، فيلبسها كثرة من الناس على علّاتها على الرغم من أنها على غير مقاسهم، وعلى غير أذواقهم، فتُمرر بدافعين اثنين، هما خوف الطبقة الحاكمة، وانبهار الطبقة العامّة.
فأمّا الأولى، فتهابُ سخطَ الغربِ وتخشى تحولاتِ سياساته، فتستشعرُ أنَّ بقاءَها ومكتسباتها مرهونانِ بمدى امتثالها لنموذجه، ولو كان على حسابِ هُويةِ أُمتها.
وأما الثانية، فتخضعُ بعمومها لنظرية "الغالب والمغلوب"، حيثُ يُولِّدُ الشعورُ بالهزيمةِ النفسيةِ انبهارًا أعمى بالمتبوع، فيغدو كلُّ ما يأتي منه مقبوَلًا ومُستَحسَنًا، حتى وإن ناقضَ ما يدينونَ به للهِ سرًّا وعَلانية.
اليوم تُقدِّم العلمانية نفسها في العالم المحسوب على التحضّر على أنها المظلة التي تحمي حريات الجميع، وتقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والقضايا. غير أن الواقع يكشف في كلّ مرة عن خيبة أمل بالعلمانية؛ إذ يظهر زَيفها ودفاعها المزعوم عن التعددية والحقوق، ويتكشّف أنها أداة تُمارَس بها الضغوط على المسلمين وشعائر الإسلام فحسب، وأوضح صورها حين يستهدف التضييقُ حجابَ المرأة المسلمة، فيُنظر إلى زيّها الديني كمظهر من مظاهر التخلّف وعقبة في طريق التقدم، في محاولة لسلب المرأة حريتها في اختيار زيّها، وتحويل أمرٍ تعبّدي شخصي إلى قضية سياسية ومعركة فكرية.
والمستغرب أنّه لا يغيظها إلا زيُّ المسلمين! فلِحى القساوسة وقبعات الحاخامات وتنانير النساء، كلها حريات شخصية لا ينبغي الحديث عنها، أمّا لِحى المسلمين وقبعات مصليهم وحجاب المسلمات مظاهر يجب محاربتها والتضييق عليها بكل السُّبل!
ليت شعري ما أكذبَ علمانية اليوم وما أكذب دعاتَها! علمًا أنها نشأت في الغرب كحركة تمرّد على سلطة الكنيسة التي قيدت عقول الناس وحرياتهم في القرون الوسطى. لكن المشكلة ظهرت عندما شطّ الغرب إلى أقصى الطرف الآخر من الإباحية واستهلاك المرأة، لتتحول من تسليعٍ قسريّ في القرون الوسطى إلى تسليعٍ اختياريّ باسم التحرر الحديث.
وظهرت المشكلة بشكل أكبر عندما نُقل هذا النموذج إلى مجتمعاتنا الشرقية والإسلامية متمثّلا بالتخلي عن الهوية والاستهانة بالمظاهر الإسلامية، فُفرضت الضغوط والقوانين لتهميش الدين في الحياة العامة بدعوى مواكبة العصر والتطور، على يد تيارات وأنظمة تتحامل على الإسلام تحت غطاء العلمانية، ولم تنقل لنا أسرار نهضة الغرب العلمية والصناعية أو التزامه ببديهيات الحقوق، بل ركزّت على الشكليات والمظاهر الخارجية.
إن محاولات التضييق على الحجاب وسَنّ قوانين كيدية تجاهه نجحت في بلدان غربية عدّة، مثل فرنسا، وبلجيكا، والدنمارك، وسويسرا، وهولندا، والنمسا وغيرها، ولعل نجاح ذلك مرتبط بواقع المجتمع وإهمال المعتقد وطغيان المادية والشهوات. أمّا مجتمعاتنا الشرقية والإسلامية فلاتزال محافظة تدافع عن دينها وقِيمها، وتعدّ الحجاب خطّا أحمر لا ينبغي المساس به، وأنه مظهر تأنس له المرأة بفطرتها المبنية على الحشمة والستر، وإن تأثر قسم من المجتمع بلوثة التغريب، فبقيت كثرةٌ وفيرة تتفاوت نسبتها من مجتمع إلى آخر تُراعي هذا الحق وتَعُدّه _ فضلًا عن أنه حُكمٌ شرعيّ_ ميزانًا من موازين كرامة الناس وإن كانوا مقصرين تجاه دينهم.
ففي ثمانينيات القرن الماضي، شهدت سورية محاولات شبيهة، حيث نزعت فيها السلطة المجرمة آنذاك الحجابَ قسرًا في شوارع الشام والمدارس ضمن حملات إجبارية، كان الهدف منها محو السمت الديني، وإضعاف العقيدة في النفوس، قبل أن تتراجع تحت الضغط الشعبي وتكتفي بتقييده في بعض المناطق داخل المؤسسات التعليمية.
واليوم في محاولة مؤلمة في دولةٍ تزيد نسبة المسلمين فيها على 95% مثل "أذربيجان"، أُقرت قوانين تحظر دخول الطالبات والمعلمات المحجبات إلى المدارس والجامعات، مما حَرَمَهُن حقهن الطبيعي في التعلم والعمل، وكشف عن واقع مرير تُحارب فيه حرية المرأة المسلمة في قلب مجتمعاتها. بحجة منع توظيف الدين سياسيًا وحماية النظام العام من النزعات المتطرفة.
وتتجلى قسوة القرارات المجحفة بحق المحجبات من طالبات ومعلمات في أن القانون يجبرهن على مزاولة التعليم والعمل، فلا يحق للمحجبة ترك المدرسة، لأن ذلك يعرّضها للمساءلة القانونية، وهنا تبرز معضلة ليست سهلة، وهي أن يُجرَّ الإنسان رغمًا عنه إلى حيث لا يريد، رغم أن ما تقوم به المتحجِّبة لا يضر أحدًا في شيء ولا يؤذي المجتمع من حولها _ كما يزعم بعض المدّعين_ بل يفرضه عليها دينها، وهذا ما وضعها أمام خيار قاسٍ وجائر: إما أن تتخلى عن مبادئها ودينها، أو تُحرم من فرصة كسب عيشها والمشاركة الكريمة في المجتمع من دون خضوعٍ للمساءلة القانونية لمجرد تمسكها بحجابها!
وعندما نتأمل دوافع هذا التضييق، نجد أنها تعود إلى عوامل متعددة؛ منها الخوف المصطنع من المظاهر الإسلامية وربطها بالصراعات السياسية لإبعاد الملتزمين عن مواقع التأثير والمشهد العام. يضاف إلى ذلك حالة من الانبهار الشديد بالنموذج الغربي تجعل البعض يظن أن التقدم لا يتحقق إلا بالتخلي عن الدين، إلى جانب رغبة البعض في التحلل من الضوابط الأخلاقية والدينية والتضايق من كل مظهر يُذكّر المجتمع بمسؤولياته وتوازنه القِيَمي.
وفي المقابل، من الإنصاف القول إنّ الحجاب في ديننا فريضة ورمز للالتزام، لكنه ليس دليلًا دامغًا على طهارة القلوب وصالح الأعمال، كما أن عدم ارتدائه لا يعني بالضرورة التجرد من الشرف والأخلاق.
غير أن هذا التمييز لا يبرر بحال مصادرة حق المرأة في الاختيار والالتزام؛ فالتضييق على الحجاب يظل انتهاكًا صارخًا لأبسط حقوق الإنسان التي تكفل لكل فرد حريته في الالتزام بمقتضيات عقيدته وقناعاته.
إن النهضة الحقيقية للأمم لا تُبنى بفرض نزع الحجاب ولا محاربة قناعات الناس بقوة القانون والأنظمة، بل بالتركيز على الجوهر الحضاري الذي يجمع بين العلم والعمل والإنتاج، مع الاعتزاز بالهوية والأخلاق. وإن استمرار محاربة الحجاب والتضييق على المحجبات باسم العلمانية لن يجعل المجتمع متجانسًا، بل سيولّد احتقانًا يدفع الشعوب للتظاهر دفاعًا عن كرامتها وحريتها الأصيلة.
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
كاتب وأديب سوري
حاصل على دكتوراه في التفسير وعلوم القرآن
محاضر ومقدّم دورات في التربية
محاربة الحجاب باسم العلمانية
لماذا الحرب على حجاب المرأة المسلمة؟
لماذا نهمل مخطوطاتنا؟
السؤال عن النعيم النافع منه والسقيم
لماذا تَرَجَّلَت المرأة وتأنَّث بعض الرجال؟