ضحى رياض الظريف، من لبنان ـ صيدا، أستاذة لغة عربية، حائزة على إجازة في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية.
حين يُغلق باب العلم في وجه الحجاب
التعليم عادة هو ذلك الحصن المنيع الذي يلجأ إليه الإنسان ليصنع مستقبله، ويزرع فيه أجنحة الحلم ليحلّق بها عاليًا. لكن المشهد يبدو مؤلمًا وقاسيًا حين يتحول هذا الحصن ذاته إلى ساحة إقصاء؛ ففي أذربيجان، تجد الفتيات والمعلمات المحجبات أنفسهن أمام اختبار قاسٍ وغير مُبرَّر، حيث يُطردن من مقاعد الدراسة وأروقة التعليم لمجرد تمسكهن بحجابهن الذي هو جزء لا يتجزأ من دينهن وعبادتهن.
إن قرار منع الحجاب في المدارس ليس مجرد قرار إداري عابر، بل هو زلزال حقيقي يضرب طمأنينة الطالبات والمعلمات. تخيل تلك الفتاة التي كانت ترسم أحلامًا وردية على صفحات دفترها، وتستعد لصباح جديد بكل شغف، لتتفاجأ بالمنع والطرد على أعتاب المدرسة! إنها لا تفقد مكانها في الصف فحسب، بل تشعر بالغربة والظلم. فهذا الرفض المفاجئ يترك ندوبًا عميقة في النفس، فتبدأ مشاعر القلق، وفقدان الأمان، والإحساس بالقهر، فتتحوّل المدرسة من بيت ثانٍ إلى مكان تخافه النفس وتتجنبه.
ولعل أعمق أثر نفسي يخلّفه هذا القرار الظالم هو تلك النكسة التي تصيب "علاقة الإنسان بالعلم نفسه". العلم هو النور والباب الواسع الذي يُفترض أن تُفتح من خلاله آفاق الحياة برمَّتها. لكن حين تُغلق أبواب المدارس في وجه طالبة علم أو معلمة بسبب حجابهن، فإن الرسالة اللاوعية التي تُغرس في وجدان المطرودات هي أن "المجتمع يرفضكِ لأنكِ أنتِ".
هنا تكمن المأساة الكبرى؛ إذ تهتز تلك الثقة التي كانت سائدة بأن العلم هو الغاية والوسيلة النبيلة التي تحمي الإنسان وترفع شأنه. كيف يمكن لمن طُردت من باب المدرسة أن تعود لها؟ وكيف لا ينكسر شغف من رأت كتابها يُغلق في وجهها لأنها اختارت أن ترضي ربَّها بحجابها؟ إن هذا التناقض القاسي يولِّد شعورًا بخيبة الأمل.
رغم مرارة هذا الواقع، تبقى أرواح هؤلاء الفتيات والمعلمات أصلب من أن يكسرها قرار، وأعمق إيمانًا من أن يُطفئ نور طموحهن. إن حرمانهم من الجلوس على مقاعد الدراسة هو خسارة حقيقية للمجتمع الأذربيجاني بأسره قبل أن يكون خسارة لهن؛ فالمجتمعات التي تحارب عقول بناتها وكرامة معلماتها إنما تهدم أركان مستقبلها بيدها.
تبقى القضية جرحًا ينزف، وتذكرة بأن الحرية الحقيقية لا تكتمل إلا حين يُحترم حق الإنسان في أن يتعلَّم ويتألَّق دون أن يُطالَب بالتنازل عن التزامه وعبادته وهو على باب العلم.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




حين يُغلق باب العلم في وجه الحجاب
بين مطرقة العلمانية وصحوة المسلم تفكيك أزمة «حظر الحجاب» في أذربيجان
محاربة الحجاب باسم العلمانية
لماذا الحرب على حجاب المرأة المسلمة؟
لماذا نهمل مخطوطاتنا؟