كيد الله المتين في وجوه الملحدين

مما لفت انتباهي، وشدّ سمعي وبصري إليه، ما تناقلته منصات التواصل الاجتماعي في أكثر من مناسبة، والذي أصبح من المعهود في مجتمعات عربية إسلامية عن (موضة) الإلحاد، الذي أعلنه الكثير من الرجال وأعلنته أكثر من امرأة في الوسط الفني الهابط.
وللأمانة نقول هنا إنّ الإلحاد بحد ذاته، ليس أمرًا محدثًا في تاريخ الإنسانية منذ خلق الله الإنسان وأسكنه الأرض؛ بل هو كيد من الكيد الشيطاني الذي حمله معه إبليس لعنه الله، عندما هبط إلى الأرض وحمل معه الحقد الدفين على آدم وذريته إلى يوم الدين. وهو ما يصدقه قوله تعالى حكاية عن إبليس: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ 82 إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}. والإلحاد بالله تعالى، هو أعلى درجات الغواية التي ينفثها الشيطان الرجيم في روع أتباعه، وقد حدّث القرآن الكريم في كثير من سوره الكريمة، عن أحوال الملحدين على مر العصور، ومنهم في المقدمة فرعون الذي قال عن نفسه لقومه: {أنا ربُّكُم الأعْلى}، وقال أيضًا {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي} فجمع في المقالتين تلك الربوبية والألوهية معًا.
وأيضًا كان النمرود له نصيب من الإلحاد بالله، والدعاء بما لا يمكنه أن يفعله إلا الإله القادر، فقال لخليل الرحمن ما حكاه القرآن عنه عندما حاجّه إبراهيم عليه السلام، وقال له {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ}، فقال النمرود {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ}.
وكانت حجته في ذلك الادّعاء لا قيمة لها ولا اعتبار، وقد ذكر القرآن أمثالًا لأقوام آخرين، لجماعات حملوا لواء الإلحاد وشاعوه، وكانوا يعرفون بالدهريين، وقالوا ما حكاه القرآن عنهم {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ}، وقد ظهر في القرن الماضي في بلاد روسيا تحديدًا، نظام حمل لواء الدفاع عما يسمى الكادحين من العمال والفلاحين، وكان من صميم معتقد منظّريه الكبار الإلحاد والكفر بالله تعالى والعياذ بالله، فقال أحدهم وهو ماركس اليهودي الأصل: 'لا إله والحياة مادة' وقال أيضًا: 'الدين أفيون الشعوب'. وقال من بعده لينين : 'نحن لا نؤمن بالله ..'.
وكان ممّا شاع خبره في عهد ستالين، وهو أحد قادة النظام الملحد المذكور أتباعه، أنهم كانوا في عهده المشؤوم يأتون بالأولاد في المدارس: فيقولون لهم هل تؤمنون بالله؟ فيرد الأولاد بحواس الفطرة: نعم، فيقولون لهم فليطعمكم الله، ويمنعون عنهم الأكل والشرب، ثم يعودون إليهم بعد يوم أو يومين قبل أن يشارفوا على الهلاك، فيقولون هذا طعام ربكم ستالين والعياذ بالله إن قلتم هو ربنا أطعمناكم، فيرد الأولاد ربنا ستالين هو من أطعمنا وسقانا.
وهكذا ينشرون روح الإلحاد في قلوب الأولاد قبل أن يبلغوا الحلم، وقد تهاوى نظام الإلحاد الشيوعي إلى غير رجعة، غير مأسوف عليه، وقد ظهر في بلاد إسلامية وعربية ممن أملى لهم الشيطان، وزين لهم من أعادوا لفكرة الإلحاد زهوها وبريقها المقيت على ألسنتهم المسمومة، ليقولوا جهارًا نهارًا أنهم ملحدون، وأنهم لا يؤمنون بالله إلهًا. وكأنهم بذلك ينالون من الإله الخالق العظيم، والله تعالى قال في أمثال كل هؤلاء في الحديث القدسي: 'يا عِبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أفجَرِ قَلبِ رَجُلٍ واحِدٍ منكم، ما نَقَصَ ذلك مِن مُلْكي شَيئًا'.
وليلحد من يلحد فهل هو هالك إلا نفسه. إن الله سبحانه لا يضره، أو ينال من عظيم ملكه وقدره، أمثال هؤلاء الموتورين الذين قد وقعوا في مستنقعات العلمانية المستوردة من الغرب الكافر، أو هم في حضيض الفن السوقي الرخيص الذي لا يسيغ للرجال أو النساء الهابطين في مستنقعه القذر، أن يجدوا من يحاسبهم أو يسألهم عن أعمالهم التي لا تمت للدين ولا للأخلاق بصلة.
فلا بدّ إذًا إلا أن يتحرروا من رقابته عليهم ويطلقون لشهواتهم العنان، بلا حسيب ولا رقيب، حتى بلغ بهم الأمر أن وشموا على أبدانهم ما فيه حرب على الله ودينه ورسوله، وذهب آخرين منهم إلى الارتداد عن الإسلام إلى دين آخر. إنّ مثل هؤلاء قد باعوا دينهم بدنياهم؛ فلا هم ربحوا الدنيا ولا الآخرة.
إن الإلحاد وجه قبيح من وجوه كيد الشيطان اللعين ، حتى يغوي من استطاع من ولد آدم أجمعين، ويبقى كيد الله المتين لا يصل إليه أحد من الخلق أجمعين، مهما بلغوا من القوة والعته، وملكوا وحكموا من قرون طويلة وسنين.
ويحضرني في هذا المقام طرفة متداولة في عصر شيوع الإلحاد وانتشاره، أن معلمًا قال يومًا لتلاميذه: هل ترَون الطاولة؟ قالوا: نعم، قال إذن موجودة، هل ترَون اللوح؟ قالوا: نعم، قال: إذن موجود، هل ترون الله؟ قالوا: لا، قال إذًا غير موجود، فقام صبي فطن ذكي، وقال للأولاد من جيله في الصف: هل ترون عقل الأستاذ؟ قالوا: لا, قال إذن غير موجود. وصدق الله رب العالمين في قوله {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}.
اللهم اجعلنا من الشاهدين بالحق المعرضين عن الباطل وأهله إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"
جواب العلم والدين.. لما تعارض عن يقين!
غزّة العزّة.. مَعلَم وشاهد حضاري للأمّة
ترتيب الأولويات.. وأثرها في تحقيق الذات!
لم يصبر النَّتِن ياهو
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء الثالث