كاتب في الفكر وقضايا الإنسان والتحولات الحضارية
حين يقود المُؤثِّرون الذَّائقة: مَن يصنع اختيارات الجيل الجديد؟
ثَمَّة تحوُّلٌ هادئ يجري في أعماق حياتنا، يُعيد تشكيل ما نحب، وما نختار، وما نراه جديرًا بالإعجاب والاقتداء. فالذَّائقة التي كانت تنمو في رحاب الأسرة والتَّعليم والبيئة الثَّقافيَّة والتَّجربة الشَّخصيَّة، دخلت اليوم فضاءً رقميًّا تتدفَّق فيه الصُّور والرَّسائل والوجوه والاتجاهات بلا انقطاع. وفي زحام هذا التَّدفُّق تتسلَّل معايير جديدة إلى الوعي، فتُلامس الرَّغبات، وتُعيد ترتيب الأولويَّات، وتصوغ شيئًا من تصوُّر الإنسان للنَّجاح والجمال والسَّعادة. وهكذا غدت الشَّاشة وسيطًا يوميًّا بين المرء ووعيه، وأصبح الانتباه ميدانًا تتنافس عليه قوى كثيرة. ومن هنا ينبثق السُّؤال الأعمق: أين تنتهي جاذبيَّة المحتوى، وأين تبدأ مسؤوليَّة الاختيار؟
تبدأ قوة المُؤثِّر من القرب؛ فهو يطل على المُتابِع من هاتف يصاحبه في أكثر لحظاته خصوصيَّة، يُحدِّثه بلغته، ويُشاركه تفاصيل يومه، حتى تتكوَّن بينهما أُلفة نفسيَّة تمنح الكلمة أثرًا يتجاوز الإعلان التَّقليديَّ. وقد أظهرت دراسات في التَّسويق الرَّقميِّ أن مصداقيَّة المُؤثِّر وتشابُهَه المُدرَك مع مُتابِعيه يُعزِّزان الثِّقة في المحتوى الذي يُقدِّمه، كما ترتبط العلاقة شبه الاجتماعيَّة بينهما بالتَّأثير في النيَّة الشِّرائيَّة [Lou & Yuan, Influencer Marketing, 2019, pp. 58–73; Sokolova & Kefi, Instagram and YouTube Bloggers Promote It, Why Should I Buy?, 2020].
ومن هذه الأُلفة يتكوَّن ما يمكن تسميته «رأس المال الرَّمزيِّ الرَّقميِّ»؛ رصيد من الحضور والثِّقة والقدرة على تحريك الانتباه، قد يتَّسع حتى يمنح صاحبه نفوذًا يتجاوز حدود خبرته. وهنا قد تختلط الشُّهرة بالكفاءة، ويتحوَّل عدد المُتابِعين والمشاهدات إلى قرينة موهومة على المعرفة والاستحقاق؛ فتمنح «سلطة الانتشار» صاحبها وصولًا واسعًا، بينما تظل «سُلطة الاختصاص» وحدها هي التي تمنح القول وزنه المعرفيَّ وحُجِّيَّته.
ولا يقف هذا النُّفوذ عند التَّوصية بمنتج؛ بل يمتد إلى رسم صورة ضمنيَّة للحياة الجديرة بأن تُعاش. فالبيت والملابس والسَّفر والعلاقات وأنماط الاستهلاك تتحوَّل، مع كثافة العرض، إلى رموز للنَّجاح والجمال والقبول الاجتماعيِّ. وعندئذٍ تحمل السِّلعة معها تصوُّرًا للسَّعادة ومقياسًا للمكانة، ويغدو التَّأثير متعلِّقًا بما يتمنَّاه الإنسان، وبمَن يتشبَّه به، وبالصُّورة التي يريد أن يظهر بها أمام الآخرين. فإذا غلبت نماذج تجعل المال والشُّهرة والمظهر عنوانًا للنَّجاح، تسلَّلت الدُّنيا من مجال الوسيلة والابتلاء إلى مقام الغاية والمعيار؛ وهو معنى يستدعي التَّوجيه القرآنيَّ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15-16]. فالآيتان تكشفان خطر أن تستولي زينة الدُّنيا على وجهة الإنسان حتى تغدو غايةً حاكمةً لعمله؛ وهو ما يجعل تهذيب الذَّائقة أعمق من اختيار ما نستهلك، إذ يتصل ابتداءً بما نريده من الحياة وما نمنحه منزلة الغاية فيها.
ومن هنا يُعيد الميزان الشَّرعيُّ ترتيب الصُّورة؛ يقول النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» [مسلم، رقم 2564]. كما يُحرِّر القرآن البصر والقلب من أسر المقارنة: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: 131]. وما أشدَّ اتصال هذا المعنى بعصر الصُّورة؛ إذ قد يقيس الإنسان حياته الكاملة بلقطة منتقاة من حياة غيره، وواقعه المُركَّب بواجهة مصقولة، ثم يحاكم رضاه عن نفسه إلى مشهد لم يرَ من حقيقته إلا جانبًا محسوبًا بعناية.
وتزداد المسألة حساسيَّة حين يعبر المُؤثِّر من عالم الذَّوق والاستهلاك إلى فضاء الخبر والمعرفة؛ فشُهرة القائل قد تمنح المعلومة قوة تفوق قوة دليلها. وقد كشف تقرير عالميٌّ لليونسكو، أُنجِز بمشاركة 500 صانع محتوى في 45 دولة، أن 62% منهم لا يتحقَّقون من المعلومات بصورة منهجيَّة قبل مشاركتها، بينما يستخدم 42% مؤشِّرات من قبيل الإعجابات والمشاهدات في تقدير مصداقيَّة المحتوى [UNESCO, Behind the Screens, 2024]. وهكذا قد يستعير الرَّواج هيئة الحقيقة، ويصنع التَّكرار شعورًا زائفًا باليقين؛ فيغدو أصل التَّثبُّت القرآنيِّ ضرورةً معرفيَّة في البيئة الرَّقميَّة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6].
والمُؤثِّر، مع ذلك، جزء من منظومة أوسع؛ وراءه منصَّة وخوارزميَّة ومُعلِن، وأمامه جمهور يُشارك بإعجابه وتعليقه وإعادة نشره في توسيع حضور المحتوى. فما نمنحه انتباهنا نمنحه شيئًا من القوة، وما نعيد تداوله نُسهم في امتداد أثره. ومن منظور مقاصديٍّ، تتصل القضيَّة بحفظ العقل من التَّضليل، والمال من الاستهلاك المُستدرَج، والكرامة الإنسانيَّة من الاستلاب؛ ولذلك لا تنفصل مسؤوليَّة صانع المحتوى عن مسؤوليَّة مَن يستقبله ويروِّجه.
والتَّأثير في جوهره أمانة تتَّسع باتساع أثرها؛ يقول النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» [مسلم، رقم 2674]. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من «اقتصاد الانتباه» إلى «أخلاق التَّأثير»؛ فيتثبَّت المُؤثِّر من المعلومة، ويكشف طبيعة الإعلان، ويحترم أهل الاختصاص، ويزن ما ينشره بآثاره في العقل والقيم والمال والسُّلوك. وفي المقابل، يستطيع هذا النُّفوذ نفسه أن ينشر علمًا، ويوقظ هِمَّة، ويدعم مبادرة إنسانيَّة، ويقرِّب المعرفة إلى جمهور واسع؛ فالقيمة الحقيقيَّة لا يحدِّدها صخب المشاهدة، بل نوع الأثر الذي يبقى بعد انطفائها.
ومن أخطر ما تصنعه الذَّائقة الرَّقميَّة أن تتحوَّل المتابعة شيئًا فشيئًا إلى اقتداء؛ وهنا يصبح السُّؤال: مَن يستحق أن يكون نموذجًا؟ فالموضة تمنح الرَّواج، والشُّهرة توسِّع الحضور، أمَّا القُدوة فتحتاج إلى ميزان أرفع من كليهما. وقد ردَّ القرآن معيار الاقتداء إلى أصله الأعلى، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. فالآية تجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، وتربط الاقتداء به بوجهة القلب وغايته: رجاء الله واليوم الآخر وكثرة ذكره؛ وبذلك يستقيم ميزان القُدوة على الهداية والقيم، لا على بريق الحضور وكثرة المُتابِعين. ومن هنا يحتاج الجيل إلى وعيٍ يفرِّق بين مَن يُتابَع لأنه مشهور، ومَن يُقتدى به لأنه يدل على ما هو أهدى وأزكى وأقوم؛ فالشُّهرة قد تصنعها الخوارزميَّة، أمَّا استحقاق الاقتداء فتحدِّده مُوافقة الحق والهدي وحُسن الأثر.
وفي مواجهة هذا السَّيل يحتاج الإنسان إلى ما يمكن تسميته «مِصفاة الذَّائقة الواعية»؛ ميزان داخليٌّ يصاحب ما يراه ويسمعه، فيسأل: مَن المُتكلِّم؟ وما مجال خبرته؟ وما الدَّليل؟ وهل وراء الرِّسالة مصلحة تجاريَّة؟ وما الذي سيتركه هذا المحتوى في عقلي وخُلقي وسلوكي؟ وهل انجذبتُ إليه لقيمته، أم لأن كثافة ظهوره جعلته مألوفًا ومرغوبًا؟ وهذا الوعي يجد أصله في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
وصناعة هذه المِصفاة مسؤوليَّة مشتركة؛ تبدأ من البيت والمدرسة والجامعة، وتمتد إلى الإعلام والمنصَّات وأهل العلم والفكر، عبر تعليم فحص المصادر، وفهم طرائق الإقناع، والتَّمييز بين الخبر والرَّأي والإعلان، وإدارة الانتباه، والوعي بمزالق المقارنة الرَّقميَّة. وفي الوقت نفسه يحتاج الخطاب الرَّاشد إلى لغة قادرة على الوصول؛ فالقيمة تحتاج إلى جمال يحملها، والحقيقة إلى بيان يُقرِّبها، والفكرة العميقة إلى خطاب يعرف عصره ويحفظ جوهره.
وهنا يعود السُّؤال الذي يختصر القضيَّة كلها: مَن يملك مفتاح اختياراتنا؟
في زمن تتنافس فيه آلاف الأصوات على ثوانٍ من انتباهنا، تصبح المحافظة على هذا المفتاح مسؤوليَّة أخلاقيَّة وشرعيَّة وحضاريَّة؛ فالذَّائقة مرآة لما نُعظِّمه، وما نمنحه إعجابنا، وما نسمح له أن يتسرَّب إلى رغباتنا ومعاييرنا. وحين يمتلك الإنسان وعيه، ويزن ما يعرض عليه قبل أن يمنحه قلبه أو وقته أو ماله، تستعيد التِّقنيَّة موقعها أداةً في يده، ويغدو حُسن الاختيار صورةً من صور الحريَّة، وتصبح السِّيادة على الانتباه أول الطَّريق إلى السِّيادة على الذَّات.
المصدر : موقع مجلة إشراقات
"إنّ الآراء الواردة في المقال لا تعبّر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع، وبالتالي فإنّ الموقع لا يتحمّل تبعات ما قد يتًرتب عنها قانوناً"




حين يقود المُؤثِّرون الذَّائقة: مَن يصنع اختيارات الجيل الجديد؟
الطفولة في مدرسة النبوة: كيف ربّى النبي ﷺ الأطفال؟
تشريح العالمانية - الجزء الرابع
نظرات وتأملات: بين الفانيات والباقيات
الإنسان كما يريده القرآن ـ الجزء السابع عشر